تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
صوت لتقليل الضرر: هل يحسم الفلسطينيون داخل إسرائيل رحيل نتنياهو من دون دخول الحكومة؟
تقرير في معادلة 12 إلى 15 مقعدا قد تمنع عودة اليمين المتطرف، وفي التوتر بين التصويت للتأثير ومقاطعة نظام يشعر كثيرون بأنه يقصيهم، وحدود القوة من خارج الائتلاف.
في انتخابات تبدو فيها الكتلتان اليهوديتان عاجزتين عن بلوغ أغلبية 61 مقعدا، قد لا يكون الناخب الحاسم من مؤيدي بنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت، بل المواطن الفلسطيني الذي تردد طويلا بين صندوق اقتراع محدود الأثر ومقاطعة نظام لا يشعر أنه يعامله على قدم المساواة. تحقيق إيما غراهام هاريسون وكيكي كيرشنباوم في الغارديان، المنشور في 23 أكتوبر 2026، يقرأ التصويت العربي باعتباره أداة لتقليل الضرر أكثر من كونه تفويضا لبرنامج المعارضة.
يشكل الفلسطينيون نحو خمس سكان إسرائيل. وتضع استطلاعات نقلتها الصحيفة قائمتي «راعم» و«القائمة المشتركة» بين 12 و15 مقعدا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدا. الرقم ليس نتيجة نهائية، بل نطاق استطلاعي قد يتغير بفعل المشاركة ونسبة الحسم. لكن دلالته السياسية واضحة: إذا عجز معسكر نتنياهو والمعارضة اليهودية كل منهما عن الأغلبية، يصبح التمثيل الفلسطيني ضروريا لتشكيل حكومة أو منعها أو دعمها من الخارج.
لا تساوي هذه القوة الحسابية قبولا سياسيا. معظم أحزاب المعارضة اليهودية تعهدت بألا تضم الأحزاب العربية إلى الحكومة، خوفا من خسارة ناخبين يمينيين ومن حملة نتنياهو التي تصور التعاون المدني تهديدا قوميا. ظهرت ملصقات بشعار «إما اليمين أو فلسطين»، وروج حلفاء نتنياهو ثنائية «بيبي أو الطيبي»، رغم أن أحمد الطيبي نفسه بعيد عن المطالبة بمنصب وزاري في الحملة الحالية.
تستخدم الغارديان هذا التناقض لتفسير شعور مزدوج: أصوات الفلسطينيين مطلوبة لإسقاط اليمين المتطرف، لكن ممثليهم يوضعون خارج دائرة الشرعية مسبقا. لذلك لا يذهب من يختار التصويت إلى الصندوق مقتنعا بأن المعارضة تمثل طموحه الوطني. أحمد الطيبي وصف الخيار بأنه بين السيئ والأسوأ؛ فهو يعارض الحكومة الحالية، لكنه يعرف أن غالبية قوى المعارضة ترفض الدولة الفلسطينية وتؤيد أشكالا من الاستيطان.
مع ذلك توجد سابقة تكسر المحظور. في 2021 أدخل منصور عباس حزب «راعم» إلى ائتلاف واسع بقيادة نفتالي بينيت، فكان أول حزب عربي ينضم رسميا إلى حكومة إسرائيلية. كما دخل نتنياهو نفسه سابقا في مفاوضات مع عباس قبل أن يعيد تصوير أي تعاون عربي باعتباره خطرا. السابقة لا تضمن التكرار، لكنها تبين أن التعهدات المسبقة قد تتغير عندما تصبح المقاعد شرطا لبقاء الحكومة.
تعبر الحملات الحالية عن ثلاثة مستويات محتملة للتأثير. الأول دخول ائتلاف والحصول على حقائب وميزانيات؛ والثاني دعم حكومة من خارجها مقابل اتفاقات مكتوبة؛ والثالث الامتناع المنظم أو إسقاط حكومة من دون تأييد بديلها بالكامل. لكل خيار كلفة: الدخول يمنح نفوذا لكنه يحمل الحزب مسؤولية قرارات الحرب والاحتلال؛ والدعم الخارجي أضعف ضمانا؛ والمقاطعة قد تسهل عودة ائتلاف أشد عداء.
هذا هو معنى «تقليل الضرر» في قراءة أمجد العراقي من مجموعة الأزمات الدولية. التصويت، من منظور كثير من الفلسطينيين داخل إسرائيل، لا يختار سلاما أو مساواة كاملة، بل يمنع حكومة تضم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من الحصول على تفويض جديد لتسريع الضم والتهجير والتمييز. الفرق بين يمين ويمين متطرف لا يلغي بنية المشكلة، لكنه قد يغير مستوى الخطر اليومي في الشرطة والسجون والبناء والضفة.
في المقابل، للمقاطعة حجة سياسية وأخلاقية لا يجوز اختزالها في اللامبالاة. صحفيون وناشطون يقولون إن التصويت يضفي شرعية على نظام يجعل حقوقهم قابلة للمساومة ويتعامل مع الفلسطينيين في غزة والضفة بصورة مختلفة جذريا. كما أن تجارب المشاركة السابقة لم توقف الحروب أو هدم المنازل أو الجريمة داخل البلدات العربية. لذلك فإن انخفاض المشاركة قد يعبر عن فقدان الثقة، لا نقص الوعي.
الجدل تعمق مع ملف الاستبعاد الانتخابي. قررت لجنة الانتخابات المركزية في سبتمبر منع «راعم» و«القائمة المشتركة» ومرشحين أفراد من خوض السباق. في 2 أكتوبر أعادت المحكمة العليا القائمتين، وفق مراجعة قانونية لمكتبة الكونغرس، بعدما رأت أن الأدلة لا تبلغ المعيار الصارم لمنع قائمة كاملة. لكن سامي أبو شحادة انسحب بعدما أشار غالبية القضاة إلى استعدادهم لتأييد استبعاده، فتجنب صدور حكم معلل في قضيته.
التفصيل مهم لأن عبارة أن المحكمة «استبعدت» أبو شحادة تبسط ما حدث. لم يصدر حكم نهائي مسبب بعد انسحابه، لكن اتجاه الهيئة القضائية وضعه أمام خيار الانسحاب أو تثبيت سابقة ضده. وفي الوقت نفسه لم تؤيد المحكمة طلب استبعاد بن غفير. منتقدو المسار يرون معيارين لحرية التعبير؛ أما مؤيدوه فيستندون إلى نصوص تمنع دعم الكفاح المسلح. الحكم السياسي على الازدواج يحتاج قراءة الأدلة لكل ملف، لا مقارنة الشعارات وحدها.
هناك أيضا فجوة بين نية التصويت والمشاركة الفعلية. تاريخيا تراوحت المشاركة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل بصورة واسعة، وبلغت قرابة 53 في المئة في انتخابات 2022 وفق بيانات متداولة. استطلاعات 2026 تتوقع ارتفاعا، لكن الخوف أو الحماس في مقابلة لا يتحول دائما إلى ورقة في الصندوق. لذلك يجب التعامل مع تقدير 12 إلى 15 مقعدا كسيناريو مشروط، لا كتلة مضمونة.
يوفر مسح المعهد الإسرائيلي للديمقراطية للناخبين الجدد سياقا مفيدا. شمل 576 شابا وشابة، بينهم 133 عربيا، وقال 87 في المئة من العرب إنهم ينوون التصويت. ورأى كثيرون أن المشاركة وسيلة لجعل صوت المجتمع مسموعا وتحسين مكانته. لكن المعهد سجل أيضا شكوكا في قدرة المؤسسات على ترجمة الأصوات إلى تغيير. حجم العينة والفئة العمرية يمنعان تعميم النسبة على جميع الناخبين.
الخوف هو الدافع الذي يتكرر في تحقيق الغارديان: الخوف من حرب غزة، ومن عنف المستوطنين في الضفة، ومن تصاعد العنصرية والتمييز داخل إسرائيل، ومن عودة حكومة تعتبر الضم والتهجير أدوات سياسية مشروعة. لكنه دافع دفاعي؛ وحين يصبح الناخب مطالبا كل مرة بمنع الأسوأ من دون أن تعرض عليه شراكة متساوية، قد يحقق ارتفاعا مؤقتا في المشاركة ولا يبني ثقة دائمة.
تحتاج الأحزاب العربية لذلك إلى تحويل المقاعد إلى شروط قابلة للقياس. يمكن أن تشمل وقف الحروب، وفتح مسار سياسي للفلسطينيين، ومحاربة الجريمة المنظمة في البلدات العربية، ووقف هدم المنازل، وضمان الميزانيات والخدمات، وإلغاء التشريعات التمييزية. إعلان الشروط قبل المفاوضات يمنح الناخب معيارا للمحاسبة ويقلل خطر أن تصبح الأصوات مجرد رافعة لإبدال رئيس بآخر.
وتحتاج المعارضة اليهودية إلى حسم تناقضها. لا يمكنها أن تطلب من المواطنين الفلسطينيين إنقاذ الديمقراطية ثم تصر على أن ممثليهم غير صالحين للحكم. حتى إذا حالت الخلافات حول الدولة الفلسطينية وغزة دون ائتلاف كامل، يمكن بناء تفاهم برلماني علني ومحدد. أما إبقاء التعاون سرا أو إنكاره في الحملة ثم طلبه بعد النتائج فيرسخ فكرة أن الصوت العربي مقبول حسابيا ومرفوض سياسيا.
بالنسبة إلى الفلسطينيين في الضفة وغزة، لا يحمل ارتفاع المشاركة وعدا مباشرا بتغيير السياسة. التقرير المقارن لرويترز المنشور في اليوم السابق أظهر أن نتنياهو وآيزنكوت يرفضان الدولة الفلسطينية ويشترطان نزع سلاح حماس قبل الانسحاب من غزة. لكن إسقاط ائتلاف يضم دعاة الضم الكامل قد يبطئ البؤر وE1 وعنف المستوطنين، وهو أثر محدود لكنه ملموس.
في ميزان الوقائع والتقدير، تؤكد الغارديان حجم المجتمع الفلسطيني ونطاق المقاعد المتوقع ومواقف القيادات، وتؤكد أسوشيتد برس أن أي ائتلاف يحتاج 61 مقعدا وأن القوائم العربية قد تصبح بيضة القبان. وتثبت مراجعة مكتبة الكونغرس إعادة القائمتين إلى السباق. أما نسبة المشاركة النهائية، واستعداد المعارضة لتغيير تعهداتها، ونوع الاتفاق بعد الاقتراع فكلها احتمالات لا نتائج.
الخلاصة أن قوة الفلسطينيين داخل إسرائيل في هذه الانتخابات ليست تفويضا جاهزا ولا طريقا مباشرا إلى الحكومة، بل قدرة على منع أغلبية وتحديد شروط. التصويت قد يقلل ضرر اليمين المتطرف، والمقاطعة تكشف أزمة الشرعية، لكن أيا منهما لا يحل وحده فجوة المواطنة والحقوق. الاختبار بعد 27 أكتوبر هو ما إذا تحولت المقاعد إلى نفوذ معلن وحماية ومساواة ومسار سياسي، أم بقيت رقما تستدعيه المعارضة عند الحاجة ثم تستبعده من الحكم.