تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
الجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطيني
قراءة عربية موسعة في التحول الجغرافي لعنف المستوطنين من المنطقة ج إلى المنطقتين أ وب، وما يعنيه ذلك لمستقبل السلطة الفلسطينية وإمكان قيام دولة متصلة.

لم يعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية محصوراً في المناطق الريفية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. التحليل الذي نشرته الغارديان في 21 أغسطس 2026 يرصد انتقالاً متسارعاً للهجمات والبؤر الزراعية إلى تخوم البلدات والقرى الواقعة في المنطقتين أ وب، أي إلى المساحة التي كان يفترض، وفق ترتيبات أوسلو، أن تشكل مركز الحكم الذاتي الفلسطيني ونواة الدولة المنتظرة.
تستند المادة إلى تقرير لمنظمة يش دين الإسرائيلية بعنوان «الجبهة التالية». ووفق البيانات التي أوردتها الصحيفة، ارتفعت حصة المنطقة ب من اعتداءات المستوطنين الموثقة من نحو ربع الحالات في 2025 إلى أكثر من النصف في 2026، بالتزامن مع تراجع نسبي للحوادث المسجلة في المنطقة ج. أهمية الرقم لا تكمن في المقارنة الإحصائية وحدها، بل في الخريطة السياسية التي يعكسها: الضغط يتحرك من الأطراف الخاضعة أصلاً لإسرائيل إلى عمق المساحة الفلسطينية.
تظهر المزارع الرعوية والبؤر الصغيرة في هذا السياق كأداة سيطرة منخفضة الكلفة. فهي لا تحتاج في بدايتها إلى حي استيطاني كبير أو مسار تخطيط طويل، لكنها تنتج نطاقاً واسعاً من النفوذ حول عدد محدود من المباني والحظائر. ومع وجود الطرق والحماية المسلحة ومنع الرعاة الفلسطينيين من الوصول، تتسع المساحة التي يسيطر عليها المستوطنون عملياً أكثر كثيراً من المساحة المبنية.
تقع خطورة هذا النموذج في قدرته على تغيير حياة التجمعات الفلسطينية قبل أن يتغير وضع الأرض رسمياً. حين يصبح الوصول إلى المرعى أو عين الماء أو الطريق محفوفاً بالاعتداء، تبدأ الأسر بتقليص قطعانها وتتراجع قدرتها على العمل ويزداد اعتمادها على نقل المياه والأعلاف بكلفة مرتفعة. وبمرور الوقت قد تبدو المغادرة قراراً فردياً، بينما تكون في الواقع نتيجة بيئة قسرية تراكمت بفعل العنف والحرمان من الحماية.
ترى القراءة أن التحول ليس منفصلاً عن المناخ السياسي الإسرائيلي. فقد انتقلت صلاحيات واسعة مرتبطة بالتخطيط والاستيطان إلى مسؤولين مدنيين يقودون مشروع الضم، بينما تمنح تصريحات وزراء اليمين المتطرف شرعية سياسية للمستوطنين وتضعف حدود الإنفاذ. وعندما تتعامل الشرطة والجيش مع الاعتداء باعتباره احتكاكاً محلياً لا جزءاً من استراتيجية أوسع، يصبح الإفلات من العقاب عنصراً بنيوياً لا حادثاً استثنائياً.
بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، يضرب هذا المسار جوهر الوظيفة التي أنشئت من أجلها. فالمنطقتان أ وب ليستا جزراً إدارية فحسب؛ إنهما المجال الذي يعيش فيه معظم الفلسطينيين وتعمل فيه المؤسسات المحلية. دخول المستوطنين المنظم والمتكرر إلى هذه المساحة يعني أن السلطة قد تبقى مسؤولة عن الخدمات والسكان من دون قدرة فعلية على حماية الأرض أو ضبط المجال المحيط بالمدن.
يمس التحول أيضاً مدينة نابلس ومحيطها مباشرة. فالتوسع من البؤر القائمة جنوب المدينة وشرقها نحو طرق القرى والمناطق الزراعية يهدد بتحويل التجمعات إلى جيوب تفصل بينها مساحات خاضعة لنفوذ المستوطنين. وهنا لا يحتاج الضم إلى إعلان شامل؛ يكفي أن تصبح الحركة بين القرى والمراكز الحضرية مشروطة بواقع أمني وجغرافي تتحكم فيه إسرائيل.
الدلالة الدولية واضحة: العقوبات الفردية على مستوطنين عنيفين قد ترفع كلفة بعض الأفعال، لكنها لا تعالج البنية التي توفر الأرض والطرق والحماية والتمويل. إذا كان الاعتداء يخدم توسعاً يحظى باعتراف أو دعم مؤسسي، فإن معاقبة المنفذ وترك المشروع نفسه بلا كلفة لن توقف التغيير الجغرافي.
تحتاج الاستجابة الفلسطينية والدولية إلى الانتقال من توثيق الحوادث المنفردة إلى رسم شبكة السيطرة كاملة: مواقع البؤر، ومسارات الطرق، ومناطق منع الرعي، وقرارات التخطيط، والجهات التي تمول أو تحمي التوسع. هذه الخريطة هي التي تكشف العلاقة بين العنف والضم، وتمنع اختزال المسألة في خلافات أهلية متفرقة.
الخلاصة أن الجبهة الجديدة ليست مجرد ارتفاع في عدد الاعتداءات، بل محاولة لإعادة تعريف الحدود العملية لاتفاق أوسلو من الميدان. عندما تصبح المنطقتان أ وب مكشوفتين أمام التوسع الاستيطاني، تتآكل فكرة الفصل الجغرافي والإداري التي قام عليها حل الدولتين، وتتحول الدولة الفلسطينية من مشروع متعثر إلى جزر سكانية بلا سيادة أو اتصال.
المادة الأصلية: The Guardian، «Israeli settler attacks shift focus to West Bank areas under direct Palestinian rule»، 21 أغسطس 2026: https://www.theguardian.com/world/2026/aug/21/israeli-settler-attacks-shift-to-heart-of-territory-earmarked-for-palestinian-state