تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
من أداة إنفاذ إلى وسيلة تعذيب: كيف تصل أسلحة الصعق الأميركية إلى سجون الفلسطينيين؟
قراءة موسعة في تحقيق يتتبع شهادات معتقلين وآثار إصابات وعقود توزيع، ويسأل من يتحمل المسؤولية عندما تعبر أداة خاضعة لترخيص حقوقي إلى بيئة تتكرر فيها مزاعم التعذيب.
لا يبدأ تحقيق الغارديان وشبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية ـ أريج» من سؤال تقني عن طراز سلاح، بل من جسد معتقل فلسطيني سابق. الرجل الذي تسميه الصحيفة «عيسى» لحمايته قال إنه صعق وهو مقيد داخل الاحتجاز الإسرائيلي، وإن العنف وقع بعد بتر ساقيه أصلا بسبب الحرب. لذلك فإن جوهر المادة ليس أن جهازا أميركيا شوهد في سجن فحسب، بل أن أداة يفترض أنها لإنفاذ القانون استخدمت، وفق شهادته وقرائن التحقيق، لإيلام شخص عاجز ومقيد لا لوقف خطر فوري.
المادة التي أعدها مصطفى عبد الرؤوف ونشرت في 22 أكتوبر 2026 تحقيق مشترك، لا حكما قضائيا نهائيا. راجع المحققون شهادات أربعة معتقلين فلسطينيين أفرج عنهم، وصورا ومقاطع من أماكن الاحتجاز، ومسار العلاقة التجارية بين شركة «أكسون إنتربرايز» الأميركية والجهات الإسرائيلية. كما عرضت إصابات عيسى على المجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، الذي قال إن الندوب متوافقة مع رواية الصعق. التوافق الطبي يدعم الشهادة لكنه لا يحدد وحده هوية الفاعل أو الرقم التسلسلي للجهاز.
تفيد الرواية بأن عيسى، وهو اسم مستعار لرجل يبلغ 43 عاما، اعتقل من مخيم جباليا في يناير 2024 ثم احتجز في عوفر قبل الإفراج عنه في أكتوبر 2025. قال إنه تعرض للصعق المتكرر بينما كان موثوق اليدين، وبقيت آثار على جسده بعد خروجه. ثلاث شهادات أخرى تصف استخدام أجهزة تحمل سمات منتجات «تيزر» بين 2024 و2025. عرض هذه الأقوال باعتبارها مزاعم مدعومة بقرائن ضروري، لأن التحقيق الصحفي يستطيع بناء احتمال قوي لكنه لا يحل محل فحص جنائي مستقل وسجلات الحيازة والتشغيل.
القيمة الإضافية للتحقيق تأتي من تتبع سلسلة التوريد. فالعلاقة بين «أكسون»، التي كان اسمها «تيزر إنترناشونال»، والسوق الإسرائيلية تعود بحسب المادة إلى 1995. وفي 2016 ظهر موزع محلي يدعى «إم آر هانتر» ووقع عقدا بقيمة 13 مليون شيكل لتوريد أجهزة X26P وملحقاتها إلى أجهزة أمنية إسرائيلية. وفي 2025 أدرجت الشركة موزعا آخر هو «غورين ـ كيدون»، بينما استضافت في يونيو من العام نفسه مؤتمرا في إسرائيل عرض أحدث أجهزة الصعق أمام ممثلين لجهات أمنية.
هذه الوقائع التجارية لا تثبت أن كل جهاز بيع استخدم في التعذيب، ولا أن الشركة أمرت باستخدام غير مشروع. لكنها تهدم فكرة الانفصال الكامل بين المصنع وسياق الاستعمال. عندما تكون هناك علاقة بيع وتوزيع وتدريب ممتدة، ومعها تقارير عامة متكررة عن الصعق داخل السجون، يصبح السؤال المشروع هو ما إذا كانت إجراءات التدقيق والمراقبة والتعليق كافية، لا مجرد ما إذا كان المصنع أمسك الجهاز بيده.
يتأكد البعد الأميركي من إفصاحات «أكسون» نفسها أمام هيئة الأوراق المالية والبورصات. تقول الشركة إن أجهزة الطاقة الموصلة التي تنتجها تعد منتجات «لمكافحة الجريمة» لدى وزارة التجارة، وإن تصديرها مباشرة من الولايات المتحدة إلى أي دولة عدا كندا يحتاج إلى ترخيص. وتوضح قواعد مكتب الصناعة والأمن أن مراجعة هذا النوع من الطلبات مرتبطة بهدف معلن هو تعزيز احترام حقوق الإنسان، وأن المعدات القابلة للاستخدام في الانتهاك تخضع لفحص خاص.
هنا ينتقل التحقيق من مسؤولية المستخدم المباشر إلى مسؤولية الدولة المصدرة. وجود الترخيص لا يثبت أن واشنطن كانت تعلم بواقعة بعينها، كما أن قواعد التصدير لا تنشر بالضرورة تفاصيل كل شحنة أو مستخدم نهائي. لكن استمرار الإذن في بيئة تتراكم فيها التقارير يفرض أسئلة قابلة للقياس: ما الشروط الموضوعة للمستخدم النهائي؟ هل طلبت الولايات المتحدة سجلات الاستخدام؟ وهل توجد عتبة لتعليق الترخيص عندما تتحول مزاعم متفرقة إلى نمط؟
السياق الأممي يمنع قراءة الشهادات كحادثة معزولة. في ملاحظاتها الختامية الصادرة في 22 ديسمبر 2025، قالت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إن الحظر يسري على كل من يخضع للولاية الإسرائيلية، بما في ذلك الأرض الفلسطينية المحتلة وفي زمن النزاع. وأعربت عن قلق بالغ من مزاعم واسعة تشمل الضرب والعنف الجنسي والصعق الكهربائي، ومن قصور التحقيق والمساءلة. اللجنة ليست محكمة جنائية، لكنها هيئة معاهدة رسمية تراجع التزام الدولة باتفاقية ملزمة.
كما سجلت اللجنة أن إسرائيل ترفض تطبيق الاتفاقية خارج أراضيها رغم إقرار وفدها بوجود أطر قانونية تحظر التعذيب في الأرض المحتلة، وطالبتها بتعديل موقفها. هذا الخلاف القانوني مهم: إذا حصر الالتزام داخل الحدود التي تعترف بها إسرائيل لنفسها، تتسع فجوة الحماية في السجون والمراكز التي تحتجز فلسطينيين من غزة والضفة. أما موقف اللجنة فيربط المسؤولية الفعلية بالسيطرة والولاية، لا بالخط الذي تختاره الدولة لخريطتها.
ورد استخدام جهاز صعق أيضا في ملف «سديه تيمان» الذي اتهم فيه خمسة جنود بالاعتداء على معتقل فلسطيني في يوليو 2024. القضية تعرضت لاحقا لتقلبات قانونية وسياسية، ولذلك لا تصلح وحدها لإثبات نمط عام أو إدانة أشخاص خارج الحكم. لكنها مهمة لأنها تظهر أن الصعق لم يظهر فقط في شهادات خارج النظام الإسرائيلي؛ بل دخل مواد تحقيق عسكري وقضية أثارت جدلا عاما داخل إسرائيل.
من جهته يقول الجيش الإسرائيلي إن إساءة معاملة المعتقلين محظورة، وإن استخدام القيود أو القوة يخضع للضرورة وللقانون والأوامر، وإن الادعاءات تفحص عبر الآليات المختصة. هذا الرد يجب تسجيله كاملا من دون اعتماده كتحقق ذاتي. معيار الجدية هو نشر عدد الشكاوى والتحقيقات والاتهامات والأحكام، وحفظ تسجيلات الكاميرات وبيانات تشغيل الأجهزة، وتمكين الضحايا ومحاميهم من الفحص الطبي والملفات.
تزداد خطورة أجهزة الصعق لأن تصميمها القانوني يقوم على لحظة قصيرة لوقف مقاومة أو خطر، بينما يتحول معناها كليا عندما تستخدم على شخص مربوط أو معصوب أو محتجز تحت السيطرة. لا تعود الوظيفة حينئذ تقليل اللجوء إلى السلاح الناري، بل إحداث ألم قابل للتكرار ومن الصعب أن يترك دائما أثرا واضحا. وإذا أضيف الماء، كما ورد في بعض الشهادات، ترتفع المخاطر الطبية ويتضح قصد الإيلام أكثر من غرض السيطرة.
المسؤولية المؤسسية متعددة الطبقات. على الحارس أو الجندي ألا ينفذ تعذيبا؛ وعلى قائد المنشأة أن يمنع ويحقق؛ وعلى النيابة أن تلاحق؛ وعلى الشركة أن تطبق عناية واجبة تجاه المبيعات والتدريب والصيانة؛ وعلى الجهة الأميركية المرخصة أن تعيد تقييم الخطر. توزيع الأدوار لا يعني تمييع المسؤولية، بل يحدد نقاطا مختلفة كان يمكن عندها وقف الاستخدام المسيء أو كشفه مبكرا.
قد تقول الشركة إنها لا تستطيع التحكم في كل استعمال بعد البيع، وهي حجة لها حدود عملية صحيحة. المصنع ليس شرطة عالمية، وقد تباع الأجهزة عبر موزعين محليين. لكن المنتجات الرقمية الحديثة تتيح سجلات إطلاق وتسلسلا للأجهزة وتدريبا وترقيات وصيانة. لذلك تستطيع «أكسون» توضيح ما إذا طلبت سجلات أو علقت دعما أو فتحت مراجعة مستقلة، كما تستطيع نشر سياسة حقوق إنسان تشرح متى توقف المبيعات.
أما الحكومة الأميركية فلديها أدوات أوسع من بيان القلق. تستطيع مراجعة تراخيص معدات مكافحة الجريمة، وفرض شروط استخدام نهائي، وطلب الإبلاغ عن الحوادث، أو تعليق شحنات محددة إلى أن يتحقق تحقيق مستقل. استخدام هذه الأدوات ليس حظرا شاملا على إسرائيل ولا حكما مسبقا؛ إنه تطبيق للغرض الذي تقول قواعد التصدير الأميركية نفسها إنه يبرر الترخيص: منع تحويل معدات الشرطة إلى وسيلة لانتهاك الحقوق.
بالنسبة إلى الضحايا، تبقى الفجوة الأكبر هي الوصول إلى الدليل. المعتقل قد يخرج بعد أشهر أو سنوات، وتتلاشى بعض الإصابات، وتكون التسجيلات والسجلات في يد الجهة المتهمة. لهذا توصي المعايير الدولية بفحص طبي مستقل وسريع وتوثيق وفق بروتوكول إسطنبول، وإتاحة المحامي، ومنع الاحتجاز بمعزل عن العالم. لاحظت لجنة مناهضة التعذيب أن التدريب المتخصص على البروتوكول كان محدودا، وطالبت بتوسيعه للعاملين الصحيين والقضاة وغيرهم.
لا ينبغي أن تتحول قضية جهاز محدد إلى ستار يحجب الصورة الأوسع. الصعق واحد من أساليب متعددة وردت في تقارير أممية وحقوقية تشمل الضرب والإجبار على أوضاع مؤلمة والحرمان والرذاذ والعنف الجنسي. وفي المقابل، فإن تحديد العلامة التجارية ومسار البيع مفيد لأنه يحول النقاش من إنكار عام إلى سلسلة يمكن فحص وثائقها وعقودها وتراخيصها وأرقام أجهزتها.
في ميزان الوقائع، تثبت وثائق الشركات أن أجهزة «تيزر» تحتاج إلى ترخيص تصدير أميركي، وتثبت قواعد التجارة أن حقوق الإنسان جزء من معيار المراجعة، وتؤكد لجنة الأمم المتحدة وجود قلق من مزاعم الصعق والتعذيب. وتثبت سجلات التوزيع وجود علاقة تجارية. أما استخدام جهاز بعينه ضد كل شاهد وتحديد المسؤول الجنائي فمسألتان تحتاجان تحقيقا مستقلا وسجلات تشغيل وفحصا قضائيا؛ لذلك تنسب سابا هذه النتائج إلى التحقيق ولا تحولها إلى أحكام قطعية.
الخلاصة أن التحقيق لا يقدم قصة تعذيب وحسب، بل خريطة مسؤولية تمتد من زنزانة إلى موزع محلي، ومن مصنع في أريزونا إلى مكتب ترخيص في واشنطن. العدالة لعيسى وغيره تحتاج إثباتا جنائيا فرديا، لكنها تحتاج أيضا وقف الشروط التي تسمح بتكرار الفعل. اختبار الاستجابة سيكون في تحقيق مستقل ونشر نتائج ومراجعة الترخيص والتوريد؛ لا في تبادل النفي والاتهام بينما تظل الأجهزة والسجلات بعيدة عن الرقابة.