تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
حصار المحكمة لا غزة وحدها: هل تستطيع أوروبا منع العقوبات الأميركية من شل العدالة الدولية؟
عرض نقدي لحجة كينيث روث بشأن العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية، وصلتها بملف فلسطين، وما الذي تستطيع أدوات الاتحاد الأوروبي فعله وما لا تستطيع.
ينطلق كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش وكاتب الرأي في الغارديان، من تحول نوعي في الضغط الأميركي على المحكمة الجنائية الدولية: الانتقال من معاقبة أفراد من القضاة والمدعين إلى تهديد المؤسسة نفسها. مقاله المنشور في 20 أكتوبر 2026 حجة قانونية وسياسية صريحة، وليس خبرا محايدا، وتعرض سابا منطقه مع التحقق من الأدوات التي يقترحها وحدودها.
وفق النص الأميركي الذي يحيل إليه المقال، تستهدف العقوبات المحكمة على خلفية ملاحقات تمس مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، مع فترة قبل دخول التدابير الأوسع حيز التنفيذ. يقول روث إن الأثر لن يقتصر على تجميد أموال؛ فالمصارف وشركات الاتصالات والحوسبة قد تتجنب التعامل مع المحكمة خوفا من العقوبة الثانوية، ما يهدد الرواتب والتحويلات والبريد والأنظمة التي تحفظ الأدلة.
هذه النقطة جوهرية لأن المحكمة لا تعمل في فراغ سيادي مكتف بذاته. مقرها في لاهاي، لكنها تعتمد على خدمات مالية وتقنية وشركات خاصة وعلى تعاون الدول والمنظمات والضحايا. إذا اختار كل مزود الانسحاب لتقليل المخاطر، قد يتحقق الشلل من دون إغلاق رسمي أو قرار من مجلس الأمن. العقوبة الاقتصادية تصبح عندئذ وسيلة لتغيير نتيجة قضائية عبر البنية التحتية.
يربط روث التصعيد مباشرة بملف فلسطين. أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في قضية تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مزعومة في غزة. المذكرة ليست إدانة نهائية، والمتهم بريء قانونا حتى المحاكمة، لكن الدول الأعضاء مطالبة بالتعامل مع أوامر المحكمة وفق التزاماتها.
تقول واشنطن وإسرائيل إن المحكمة لا تملك شرعية لملاحقة مواطني دول لم تنضم إلى نظام روما. يرد روث بأن الاختصاص هنا إقليمي: الدولة تستطيع أن تفوض المحكمة التحقيق في الجرائم المرتكبة على أرضها، بصرف النظر عن جنسية الفاعل، إذا كانت عضوا في النظام. فلسطين عضو في المحكمة، وكذلك أفغانستان في الملف الذي أثار قلق الولايات المتحدة، ولذلك يرى أن حجة السيادة الأميركية تتجاهل سيادة الإقليم الذي وقعت فيه الجريمة المزعومة.
هذا التفسير ليس اختراعا جديدا للمقال. يقوم نظام روما على الاختصاص في أراضي الدولة الطرف أو عبر إحالة من مجلس الأمن، مع مبدأ التكامل الذي يعطي القضاء الوطني الأولوية إذا كان راغبا وقادرا على التحقيق الحقيقي. لذلك ليست المحكمة بديلا دائما للمحاكم المحلية، ولا تملك ولاية عامة على كل جريمة في العالم. الخلاف يدور حول تطبيق هذه القواعد على وقائع وأشخاص محددين.
يفصل روث بين عدم الانضمام والحصانة. عدم عضوية الولايات المتحدة أو إسرائيل يمنع المحكمة من استخدام أساس الجنسية وحده، لكنه لا يمنح مواطنيهما حصانة إذا وقعت الأفعال المزعومة على أرض دولة طرف. هذه حجة قانونية يؤيدها أنصار المحكمة، بينما ترفضها الحكومتان المعنيتان. لم يحسم النزاع بحكم نهائي يرضي الجميع، لكن العقوبات لا تمثل مسارا قضائيا للطعن في الاختصاص.
المقترح الأول للكاتب هو أن يفعّل الاتحاد الأوروبي نظام الحجب، وهو تشريع يمنع الشركات الأوروبية في حالات محددة من الامتثال لعقوبات أجنبية خارج إقليم الجهة التي فرضتها. استُخدمت الأداة في سياقات كوبا وإيران. بالنسبة إلى المحكمة الموجودة في دولة عضو بالاتحاد، يمكن أن تمنح المصارف وشركات الاتصالات أساسا قانونيا للاستمرار بدل الانسحاب الوقائي.
لكن الحجب ليس درعا سحرية. الشركة الأوروبية التي تتعامل بالدولار أو تعمل في السوق الأميركية قد تجد نفسها بين أمرين متعارضين: القانون الأوروبي يطلب عدم الامتثال، والخزانة الأميركية تهدد بحرمانها من سوق أو نظام مالي أكبر. قدرة الأداة تعتمد على جدية الإنفاذ الأوروبي وتوفير قنوات دفع وخدمات بديلة، لا على صدور بيان سياسي فقط.
المقترح الثاني هو استخدام أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه. توضح المفوضية أن هذه الأداة، النافذة منذ ديسمبر 2023، تسمح بفحص ما إذا كانت دولة ثالثة تضغط على الاتحاد أو عضوا فيه لاتخاذ خيار معين عبر التجارة أو الاستثمار. وإذا ثبت الإكراه وفشلت المشاورات، يمكن فرض قيود على السلع والخدمات والاستثمار والمشتريات العامة.
مع ذلك، تطبيق الأداة على عقوبات المحكمة ليس تلقائيا. تبدأ العملية بفحص من المفوضية، ثم تحديد من المجلس، ثم محاولة التسوية قبل تدابير الرد. كما يجب إثبات أن الضغط يستهدف خيارا سياديا للاتحاد أو إحدى دوله. قول روث إن الحالة مناسبة للأداة هو اقتراح سياسي وقانوني، لا قرارا اتخذته بروكسل أو ضمانا بأنها ستقبل التكييف.
يطرح الكاتب أيضا المادة 70 من نظام روما، التي تجرم صورا من عرقلة العدالة، ومنها الانتقام من مسؤول في المحكمة بسبب أداء واجباته. ويستنتج أن العقوبات التي تستهدف القضاة والمدعين يمكن أن تدخل في هذا الباب. لكن هذا استدلال يحتاج إلى قرار من أجهزة المحكمة وإثبات عناصر الجريمة والمسؤولية الفردية؛ لا ينبغي عرضه كما لو أن اتهاما صدر بالفعل بحق الرئيس الأميركي أو وزير خارجيته.
حتى لو فتح مسار كهذا، تواجه المحكمة حدود التنفيذ. لا تملك شرطة، وتعتمد على الدول في الاعتقال، كما أن ملاحقة مسؤول في دولة كبرى قد تزيد الضغط وتقلص التعاون. في المقابل يرى روث أن مجرد مذكرة دولية تحد الحركة وتفرض كلفة دبلوماسية، كما ظهر في تعامل دول أطراف مع مذكرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. الفاعلية هنا جزئية وليست عدما أو اكتمالا.
يعرض المقال أزمة قيادة داخل المحكمة أيضا. غياب مدع عام دائم في لحظة المواجهة يضعف القدرة على اتخاذ قرارات حساسة والدفاع المؤسسي، ويرى روث أن على الدول الأعضاء تسريع اختيار خلف. هذا رأي إداري معقول، لكن تعيين قائد جديد لا يحل وحده مشاكل الشرعية البطيئة، والانتقائية، والاعتماد على تعاون حكومات قد تكون أطرافا في النزاعات.
ومن الضروري عدم تحويل الدفاع عن المحكمة إلى إعفاء لها من النقد. سجلها يتضمن محاكمات قليلة مقارنة بحجم التوقعات، وتأخيرات، وتركيزا تاريخيا غير متوازن على أفريقيا، وأزمات داخلية. الاعتراف بهذه العيوب يقوي الحجة ضد العقاب السياسي: الإصلاح يكون بالرقابة والقواعد والاستئناف والميزانية، لا بقطع الخدمات لإجبار القاضي على إسقاط ملف بعينه.
بالنسبة إلى فلسطين، الرهان يتجاوز أسماء المسؤولين الإسرائيليين. إذا استطاعت دولة قوية شل المحكمة لأنها فتحت قضية غير مرغوبة، ستفقد الضحايا في غزة وغيرهم منفذا قضائيا نادرا حين تكون المحاكم الوطنية غير قادرة أو غير راغبة. وفي المقابل، لا تعوض المحكمة وقف القتل أو الإغاثة أو التسوية السياسية؛ وظيفتها تحديد المسؤولية الفردية ضمن معايير إثبات وإجراءات قد تستغرق سنوات.
تظهر هنا معضلة الدول الأوروبية. معظمها يعلن دعم المحكمة والنظام الدولي، لكنه يعتمد أمنيا وماليا على الولايات المتحدة وتعمل مصارفه في السوق الأميركية. الدفاع الفعلي يفرض كلفة: حماية مزودي الخدمة، وتمويل بدائل تقنية، وضمان التحويلات، وربما تحمل رد تجاري. لذلك يختبر الملف الفارق بين التأييد الرمزي لمبدأ العدالة والاستعداد لدفع ثمنه المؤسسي.
لا يعني ذلك أن المواجهة الحتمية هي الخيار الوحيد. يمكن للدول الأطراف مطالبة واشنطن باستخدام القنوات القانونية للاعتراض على الاختصاص، وتوضيح ضمانات الإجراءات، والتفاوض على حماية الخدمات الأساسية من العقوبات. لكن أي تسوية تقوم على تعهد المحكمة بعدم ملاحقة مواطني دول بعينها ستعيد كتابة نظام روما بضغط اقتصادي وتخلق طبقة حصانة لم تمنحها المعاهدة.
في ميزان الوقائع والرأي، تثبت البيانات الرسمية وجود عقوبات ورفض المحكمة لها، وتثبت قواعد الاتحاد وجود أدوات للحجب ومكافحة الإكراه. أما القول إن العقوبات جريمة بموجب المادة 70، أو أن تفعيل الأدوات الأوروبية سيجبر واشنطن على التراجع، فهو تقييم كينيث روث يحتاج إلى قرار وممارسة. كذلك تبقى التهم في ملف غزة مزاعم قضائية لم تصل إلى حكم نهائي.
الخلاصة أن المعركة ليست فقط على نتيجة قضية فلسطين، بل على من يملك تحديد حدود القضاء الدولي. إذا خضعت المحكمة لمن يسيطر على البنوك والخوادم، يصبح الاختصاص القانوني تابعا للقوة الاقتصادية. وإذا ردت أوروبا بأدوات قابلة للتنفيذ مع إبقاء باب الطعن القانوني مفتوحا، فقد تحمي استقلال المؤسسة من دون ادعاء كمالها. الاختبار الحقيقي هو استمرار المحكمة في العمل والتحقيق وفق الأدلة، لا انتصار خطاب سياسي على آخر.