تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
اقتصاد قوي فوق قاعدة ضيقة: لماذا تحمل انتخابات إسرائيل كلفة تتجاوز الشيكل؟
قراءة في تعليق اقتصادي يربط اقتراع 27 أكتوبر بقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالكفاءات وتمويل الحرب وتوسيع قاعدة العمل والضرائب، مع فصل بيانات الاقتصاد عن رأي الكاتبة.
تنطلق الكاتبة ياوين تشين في تعليق نشرته رويترز بريكينغفيوز صباح 20 أكتوبر من مفارقة واضحة: دخلت إسرائيل انتخابات 27 أكتوبر بعد ثلاث سنوات من الحرب والاضطراب، لكن أسواقها ومؤشرات الاقتصاد الكلي بدت أكثر صمودا مما توقعه كثيرون. هذا النص رأي اقتصادي موقّع، لا تقريرا إخباريا محايدا، وتعرض سابا حجته مع تمييز الأرقام القابلة للتحقق من استنتاجات الكاتبة.
تستند صورة الصمود إلى نمو 2025 الذي تجاوز متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وإلى قطاع تكنولوجيا يشكل أكثر من نصف الصادرات ونحو 18 في المئة من الناتج. كما ارتفع مؤشر تل أبيب 125 بقوة خلال ثلاثة أعوام، وعادت كلفة التأمين على الدين السيادي إلى مستوى قريب من ما قبل هجوم 7 أكتوبر 2023. هذه مؤشرات قوة حقيقية، لكنها لا تعني أن الحرب بلا فاتورة.
فالإنفاق الدفاعي تضاعف إلى قرابة ثمانية في المئة من الناتج، والدين العام يتجه نحو سبعين في المئة بعدما كان أقل بنحو عشر نقاط مئوية في 2022، فيما اقترب العجز من خمسة في المئة. وتحافظ الدولة على هامش مالي مهم: أكد بنك إسرائيل أن احتياطيات النقد الأجنبي بلغت 236.998 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2026، أي 34.2 في المئة من الناتج. الاحتياطي يوفر حماية للصرف والثقة، لكنه لا يعوض إصلاحا طويل الأجل في الضرائب والعمل والإنتاجية.
جوهر حجة تشين أن القوة تعتمد على قاعدة بشرية ضيقة. تنقل عن معهد شورش أن العاملين في التكنولوجيا والأطباء وكبار الأكاديميين يبلغون نحو 300 ألف شخص، أي قرابة ثلاثة في المئة من السكان، بينما يأتي 93 في المئة من إيرادات ضريبة الدخل من أعلى عشرين في المئة من العاملين. الرقم الأخير منسوب إلى المعهد والخبير دان بن دافيد، وليس بيانا ضريبيا رسميا منشورا ضمن المادة.
تجعل هذه المركزية هجرة أصحاب المهارات خطرا ماليا لا مجرد ظاهرة اجتماعية. تقول المادة إن 35,993 إسرائيليا مولودا في البلاد غادروها في 2024، مقابل عودة 13,820، وإن 35 في المئة من شركات التكنولوجيا التي شملها مسح في النصف الثاني من 2025 سجلت زيادة في طلبات الانتقال إلى الخارج. لا تثبت هذه الأرقام أن السياسة وحدها دفعت كل مهاجر، لكنها تبرر متابعة العلاقة بين الحرب والإصلاح القضائي والأمان الشخصي وقرارات البقاء.
هنا تنتقل الكاتبة من الوقائع إلى التقدير. فهي ترى أن نتيجة الانتخابات قد تبطئ نزيف الكفاءات إذا أعادت الثقة بالمؤسسات، أو تسرعه إذا استمر الصراع على القضاء والحرب والعزلة الدولية. هذه ليست نتيجة محسومة؛ شركات التكنولوجيا تتوسع خارج إسرائيل لأسباب تجارية أيضا، والموظفون ينتقلون قرب العملاء ورأس المال. الاختبار الأدق سيكون اتجاه الوظائف البحثية والاستثمار والعودة بعد الاقتراع، لا قراءة النوايا من استطلاع واحد.
الشق الثاني من الحجة يتعلق بالمجتمع الحريدي. يبين التقرير السنوي للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن تشغيل الرجال الحريديم بلغ 53.3 في المئة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025، بعد توقف طويل في التحسن، مقارنة بمعدلات أعلى بكثير بين الرجال اليهود غير الحريديم. ويظل التعليم الأساسي والدخل وساعات العمل عوامل تفسر فجوة المساهمة الاقتصادية، إلى جانب الإعفاءات من الخدمة العسكرية والدعم الذي يدخل في مساومات الائتلاف.
لا ينبغي تحويل هذه البيانات إلى وصم ديني أو جماعي. السؤال الاقتصادي هو كيف تصمم الدولة التعليم والحوافز والخدمة والضرائب بما يوسع المشاركة ويحمي حرية المعتقد. ومع ارتفاع نسبة الأطفال الحريديم، تصبح إنتاجية الجيل المقبل محددا لقدرة إسرائيل على تمويل الجيش والصحة والتعليم. الإصلاح الذي يزيد العمل والمهارات يمكن أن يوسع القاعدة الضريبية، أما خفض الدعم بلا بدائل تعليمية وفرص حقيقية فقد يزيد الفقر من دون رفع الإنتاج.
تضيف حرب غزة بعدا خارجيا. تنقل بريكينغفيوز استطلاعات تظهر تراجع صورة إسرائيل في دول كثيرة، وترى أن ذلك يهدد قطاعا تقنيا يحتاج إلى رأس مال وأسواق وموظفين عالميين. الضرر هنا محتمل لا آلي: المواقف السلبية لا تتحول دائما إلى حظر استثمار، والطلب على الأمن السيبراني والطائرات المسيّرة ارتفع مع زيادة الموازنات الدفاعية. لذلك قد يجذب جزء من الاقتصاد أموالا بسبب الحرب بينما يدفع جزء آخر كلفة العزلة.
تربط الكاتبة هذه الاختلالات بصندوق الاقتراع، لكنها لا تدعي أن حزبا واحدا يملك حلا سهلا. استطلاعات حديثة وضعت كتلة بنيامين نتنياهو والمعارضة كلتيهما دون أغلبية 61 مقعدا، ما يفتح احتمال مفاوضات طويلة أو اقتراع غير حاسم. حتى حكومة بديلة ستواجه ديونا أعلى وموازنة دفاعية كبيرة ومصالح ائتلافية راسخة، ولن تتغير المشاركة في العمل أو هجرة الكفاءات بقرار واحد.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، يكشف التحليل مفارقة أخرى. الاقتصاد الإسرائيلي يستطيع امتصاص قدر كبير من كلفة الحرب في المدى القصير بفضل التكنولوجيا والاحتياطيات والتمويل، بينما تتحمل غزة والضفة أضرارا مباشرة في الأرواح والبنية والعمل. لكن الصمود المالي لا يلغي أثر الاحتلال والحرب؛ حين تتراجع الشرعية الدولية أو تتسع القيود التجارية والقانونية، يمكن أن تنتقل الكلفة إلى الاستثمار والمواهب حتى إن ظلت المؤشرات اليومية قوية.
في ميزان الوقائع والرأي، تؤكد بيانات بنك إسرائيل حجم الاحتياطي، ويؤكد المعهد الإسرائيلي للديمقراطية فجوة تشغيل الرجال الحريديم، فيما تبقى تقديرات القاعدة الضريبية والهجرة وطلب الانتقال منسوبة إلى المؤسسات التي أوردتها رويترز. أما القول إن تغيير الحكومة سيستعيد الثقة أو أن استمرار نتنياهو سيطلق نزيفا اقتصاديا فهو استنتاج للكاتبة يحتاج إلى متابعة بعد الانتخابات.
الخلاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يواجه انهيارا وشيكا؛ قوته في التكنولوجيا والاحتياطيات والأسواق تمنحه وسادة معتبرة. لكن هذه الوسادة فوق قاعدة بشرية وضريبية مركزة، ومع دين ودفاع أعلى وانقسام سياسي أعمق. قيمة الاقتراع الاقتصادية لن تقاس بحركة الشيكل في يوم واحد، بل بقدرة الحكومة المقبلة على الاحتفاظ بالكفاءات، وتوسيع التعليم والعمل، وتمويل الأمن من دون إضعاف المجتمع، ومعالجة الكلفة السياسية والقانونية لاستمرار الحرب والاحتلال.