تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
بعد سقوط الفتوى: هل يدفع الردع المكسور إيران من دولة عتبة إلى قرار القنبلة؟
تحليل في اتساع الدعوات العلنية داخل التيار المتشدد لتسليح التخصيب ومغادرة معاهدة عدم الانتشار، والفارق الحاسم بين سقوط المحرّم السياسي وبين امتلاك قرار وسلاح قابل للاستخدام.
لم تعلن إيران أنها قررت صنع قنبلة نووية، ولم تقدم جهة رقابية دليلا منشورا على بدء برنامج تسليح جديد. لكن ما كان محرما في خطاب النظام صار موضوعا علنيا: سياسيون ونواب ومحللون قريبون من التيار المتشدد يطالبون بالتخلي عن حظر المرشد الراحل علي خامنئي، والخروج من معاهدة عدم الانتشار، وتحويل قدرة التخصيب إلى ردع عسكري. هذا التحول في اللغة هو موضوع تحقيق فايننشال تايمز المنشور في 19 أكتوبر 2026.
أعدت المادة نجمة بوزورغمهر من طهران، مع مساهمة إضافية من أندرو إنغلاند في لندن. قيمتها ليست في إعلان قرار سري، بل في رصد انتقال الفكرة من الهامش إلى داخل النظام بعد مقتل خامنئي في الهجوم الأميركي الإسرائيلي في فبراير. كان الدفاع عن القنبلة يُقرأ سابقا كتحدّ لسلطة المرشد وفتواه؛ أما صمت خليفته مجتبى خامنئي فخلق فراغا يسمح للمتشددين بإعادة تعريف ما يعد مشروعا وضروريا.
الحجة الأولى لهؤلاء هي أن الحرب أثبتت فشل الردع التقليدي. قُتل قادة ومسؤولون ودمرت منشآت خلال حملة امتدت أربعين يوما، وبقيت التهديدات الأميركية والإسرائيلية بتجدد الضربات أو تغيير النظام. من هذا المنظور، لا تكفي الصواريخ والوكلاء والمضائق، بينما تُقدَّم كوريا الشمالية مثالا لدولة يردع سلاحها النووي التدخل الخارجي. هذه حجة سياسية، وليست برهانا أن القنبلة ستمنح إيران أمنا صافيا.
الحجة الثانية دينية مؤسسية. أصدر علي خامنئي قبل نحو عقدين فتوى تحظر تطوير السلاح النووي، واستخدمتها الدولة أساسا أخلاقيا في القول إن برنامجها سلمي. الآن يقول دعاة التغيير إن الأحكام الفقهية يمكن أن تتبدل بتبدل الضرورة. سقوط صاحب الفتوى لا يلغي الحكم تلقائيا، لكنه يفتح صراعا على من يملك تفسيره أو استبداله داخل نظام يجمع السلطة السياسية والمرجعية الدينية.
مع ذلك، تظل الوقائع الرسمية مخالفة لخطاب القنبلة. يقول رئيس منظمة الطاقة الذرية محمد إسلامي إن العمل النووي يستهدف إنتاج الكهرباء، وأبلغ مسؤولان إيرانيان فايننشال تايمز أن الانسحاب من المعاهدة ليس أولوية فورية. هذا لا يثبت ثبات السياسة إلى الأبد، لكنه يمنع مساواة أصوات متشددة بقرار دولة. بين الكلام والقرار توجد مؤسسات وحسابات تقنية وعسكرية واقتصادية كبيرة.
المعطى المادي الأخطر هو المخزون. قدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تملك في يونيو 2025 نحو 440.9 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب حتى ستين في المئة. هذا أقل من درجة السلاح، لكنه أعلى بكثير من حاجات البرنامج المدني المعتادة. وتقول فايننشال تايمز إن الكمية قد تكفي نظريا لعدة قنابل إذا خضعت لمزيد من التخصيب، لكن الكتلة النظرية ليست سلاحا جاهزا.
صنع القنبلة يتطلب أكثر من رفع النقاوة. يجب تحويل المادة إلى معدن مناسب، وتصميم جهاز تفجير، ودمج المكونات واختبار موثوقيتها، ثم بناء وسيلة إيصال وقيادة وسيطرة تمنع الاستخدام العرضي. وقد تكون منشآت ومعدات كثيرة تضررت، كما أن مكان المخزون وحالته بعد القصف ليسا معلومين علنا بدقة. لذلك لا يجوز اختزال المسافة بين دولة العتبة والقنبلة في عدد أسابيع للتخصيب وحده.
تضيف فجوة التفتيش طبقة من الخطر. لم تحصل الوكالة الدولية على وصول كامل إلى المواقع الرئيسية منذ ضربات يونيو 2025، وفق التقرير. غياب الوصول لا يثبت التسليح، لكنه يضعف قدرة العالم على نفيه ويزيد اعتماد الحكومات على صور الأقمار والاستخبارات والتقديرات. كلما اتسعت مساحة المجهول، زادت قابلية الأطراف لافتراض السيناريو الأسوأ واتخاذ قرار ضربة وقائية.
هنا تظهر مفارقة الردع. قد يعتقد المتشددون أن السعي إلى القنبلة يمنع الهجوم المقبل، بينما قد ترى إسرائيل والولايات المتحدة أن نافذة المنع تضيق وأن الضرب الآن أقل كلفة من الانتظار. النتيجة أن برنامج الردع قد يجلب الحرب التي صُمم لمنعها قبل أن يكتمل. قال علي فايز من مجموعة الأزمات للصحيفة إن السؤال الحاسم هو ما إذا كانت القيادة ستعد التسليح مانعا للهجوم أم سببا لتعجيله.
الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار ليس مفتاحا فوريا للقنبلة. المادة العاشرة تمنح الدولة حق الانسحاب إذا رأت أن أحداثا استثنائية هددت مصالحها العليا، لكنها تلزمها بإشعار الأطراف ومجلس الأمن قبل ثلاثة أشهر وشرح الأسباب. تستطيع طهران استخدام الإشعار ورقة تفاوض، لكن الخطوة ستطلق أزمة دبلوماسية، وقد تدفع إلى عقوبات جديدة وتضع كل نشاط لاحق تحت اشتباه أعلى.
كما أن الخروج لا يمحو الالتزامات السابقة أو الأسئلة المتعلقة بالمواد والمعدات التي كانت خاضعة للضمانات. وسيطالب مجلس الأمن والوكالة بتفسير المصير المادي للمخزون والمواقع. لذلك قد يكون التهديد بالانسحاب أكثر فائدة لطهران من تنفيذه: يرفع كلفة فشل التفاوض من دون أن يدفع النظام فورا إلى عزلة قانونية وفتح باب الضربة.
التفاوض يبقى مسارا محتملا. تقول المادة إن مسؤولين إيرانيين لمحوا إلى إمكان مناقشة تخفيف تركيز المخزون مقابل رفع العقوبات والإفراج عن أموال مجمدة، بينما تطالب واشنطن بنقل المادة خارج البلاد وتفكيك عناصر أوسع من البرنامج. الفجوة كبيرة، لكنها تكشف أن المخزون ليس أداة عسكرية فقط؛ إنه أصل تفاوضي قد تفضل القيادة مقايضته بضمانات اقتصادية وأمنية.
يجب أيضا وضع التقييم الأميركي في سياقه الزمني. قال تقييم الاستخبارات لعام 2025 إن إيران لم تكن تبني سلاحا وإن خامنئي لم يُعد تفويض البرنامج المتوقف منذ 2003، مع ملاحظة تآكل المحرم العلني على مناقشة القنبلة. بعد الحرب ومقتل المرشد، تغيرت البيئة التي بُني عليها ذلك الحكم. لكن تغير البيئة لا يساوي تلقائيا تغير قرار القيادة، وهو ما يحتاج إلى أدلة أحدث من التصريحات العامة.
إقليميا، قرار إيراني بالتسليح لن يبقى إيرانيا. ستراجع السعودية وتركيا ومصر والإمارات حسابات الوقود النووي والضمانات الأميركية والدفاع الصاروخي. وقد لا تسعى كلها إلى قنبلة، لكن مجرد الشك سيزيد الاستثمار في قدرات مزدوجة الاستخدام ويضعف نظام عدم الانتشار. حين تصبح القنبلة لغة نجاة، يحاول كل طرف تقليص الزمن الذي يحتاجه إذا تبدلت السياسة.
إسرائيل تمتلك سياسة غموض نووي ولا تؤكد ترسانتها أو تنفيها رسميا، ما يمنح طهران حجة عن عدم التوازن. لكن معالجة معيار مزدوج بإضافة سلاح جديد لا تزيل الخطر القائم؛ قد تنقل المنطقة إلى ردع متعدد الأطراف بلا خطوط اتصال مستقرة ولا خبرة مشتركة في إدارة الإنذار الكاذب. أزمات الخليج القصيرة يمكن عندها أن تحمل احتمالا نوويا حتى لو لم يرد أي طرف استخدامه.
داخل إيران، ليس الجدل تقنيا فقط. المتشددون يستخدمونه لاتهام البراغماتيين بأنهم راهنوا على تفاوض لم يمنع الحرب، بينما يحذر الإصلاحيون من أن السعي العلني إلى القنبلة قد يبرر ضربات جديدة ويستهلك موارد في اقتصاد محاصر. وهكذا تصبح الفتوى معركة على تعريف بقاء الجمهورية: هل يحميها اندماج مشروط بالنظام الدولي أم قدرة قصوى على الانتقام؟
من الناحية العملية، يحتاج خفض الخطر إلى أكثر من مطالبة إيران بالثقة. الأولوية هي استعادة وصول الوكالة إلى المواقع وتحديد مكان المخزون وحالته، ثم وضع ترتيب مرحلي لتخفيف التخصيب أو نقل جزء من المادة مقابل حوافز قابلة للعكس. ويجب أن تشمل المفاوضات قناة لمنع الاشتباك وإشارات واضحة إلى ما يعد خرقا، حتى لا تتحول صورة غامضة أو تصريح متشدد إلى شرارة هجوم.
لا ينبغي في المقابل تحويل التفتيش إلى غطاء مفتوح لتهديد تغيير النظام. إذا اعتقدت القيادة أن التعاون يكشف مواقعها ثم يعقبُه القصف، ستعد السرية أكثر أمنا. الضمان الأمني الكامل قد يكون مستحيلا، لكن صياغة مراحل متبادلة ومراقبة دولية ووقف محدد للضربات تستطيع تغيير حساب الكلفة. الردع لا يبنى بالسلاح فقط؛ يبنى أيضا بقدرة كل طرف على توقع سلوك الآخر.
في ميزان الوقائع والرأي، تثبت تصريحات منشورة اتساع الدعوات إلى القنبلة، وتثبت تقارير الوكالة حجم مخزون سابق وغياب الوصول الكامل، ويثبت نص المعاهدة شروط الانسحاب. أما نسبة التأييد داخل النظام، أو القول إن قرارا اتخذ، أو تقدير عدد الأسلحة الممكنة، فهي أمور منسوبة أو نظرية تحتاج إلى تحقق تقني واستخباري مستقل.
التقدير التحريري أن أخطر تحول ليس وجود خطة مكتملة، بل سقوط الكلفة السياسية للكلام عنها. الأفكار التي تدخل المجال الشرعي تصبح خيارات على طاولة الأزمات، خصوصا بعد هجوم تقرأه القيادة كتهديد وجودي. ومع ذلك، قد يكون رفع السقف جزءا من تفاوض بالقوة لا مقدمة حتمية للتصنيع؛ والتمييز بين الاحتمالين هو مهمة التفتيش والدبلوماسية، لا اليقين الدعائي.
الخلاصة أن إيران تقف بين ثلاث حالات: برنامج مدني معلن، وقدرة عتبة مقلقة، ونقاش سياسي يدفع نحو التسليح. الحرب كسرت الفتوى بوصفها حاجزا خطابيا، لكنها لم تثبت عبور الحاجز التقني والقراري. منع الانتقال إلى القنبلة يتطلب إعادة الحقيقة إلى مركز الملف: أين المادة، ما الذي يعمل، من يقرر، وما المقابل الأمني والاقتصادي للتراجع. من دون إجابات قابلة للتحقق، سيملأ الخوف الفراغ وقد يصنع الضربة التي تقنع طهران بأن دعاة القنبلة كانوا على حق.