تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
حين تصبح الهدنة بلا مائدة: كيف يحوّل نقص التمويل جوع غزة إلى أزمة دائمة؟
قراءة موسعة في انتقال الخطر من منع الشاحنات وحده إلى انهيار ميزانية الإغاثة: نصف مليون شخص يفقدون الدعم، ووجبات أقل، واقتصاد لا يملك بديلا من المساعدة قبل شتاء رابع.
قد يبدو وقف النار نهاية طبيعية لأخبار الجوع، لكن تقريرا نشرته الغارديان في 19 أكتوبر 2026 يقلب هذه المعادلة. بعد أكثر من عام على الهدنة، لم تعد العقبة الوحيدة هي دخول الشاحنات أو سلامة الطرق؛ صار المال نفسه ينفد. برنامج الأغذية العالمي خفض مساعدته الشهرية في غزة بنحو الثلث، ما يعني خروج نصف مليون شخص من شبكة غذاء كانت تقوم مقام اقتصاد كامل بعدما تعطلت الوظائف والزراعة والإعمار.
أعدت التقرير إيما غراهام هاريسون في القدس وسهام تنتش في غزة، وربطتا الأرقام بشهادات أسر تعيش في الخيام. وتقاطعت المعطيات الأساسية مع رويترز وأسوشيتد برس والبيان الرسمي لبرنامج الأغذية العالمي. هذا التقاطع مهم لأن الأرقام المتغيرة لا تأتي من تقدير صحفي منفرد: عدد المستفيدين هبط من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون، والوكالة تقول إنها تحتاج 450 مليون دولار لتشغيل برامجها في غزة والضفة حتى مارس 2027.
الوقائع المباشرة قاسية ومحددة. الحصة الغذائية أصبحت طردا واحدا بدلا من اثنين، وكيس الطحين أصغر، والمساعدة النقدية تقلصت عن 75 ألف أسرة، والوجبات الساخنة اليومية هبطت من 250 ألفا إلى 150 ألفا. أما الأسر القريبة من الخط الأصفر أو في المناطق صعبة الوصول فتحصل في بعض الحالات على وجبة كل يومين، مع أن كثيرا منها لا يملك وقودا أو مطبخا صالحا للطهي.
لا تعني هذه الأرقام أن نصف مليون شخص سيتوقفون جميعا عن الأكل في اليوم نفسه. بعضهم قد يجد دعما من وكالة أخرى أو من قريب أو من سوق محلي. لكنها تعني اختفاء مورد منتظم من ميزانيات أسر لا دخل لها تقريبا. وحين يعيش أكثر من ثمانين في المئة من السكان بلا عمل، يصبح خفض المساعدة انتقالا من فقر شديد إلى مفاضلة يومية بين وجبة ودواء وماء وقطعة غطاء.
وفقا للبرنامج، يواجه نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان غزة، انعداما حادا في الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو أسوأ، وبينهم نحو مئتي ألف في مستوى الطوارئ. هذه تصنيفات فنية تقيس استهلاك الغذاء وسبل العيش وسوء التغذية والوفيات؛ وليست مرادفا تلقائيا لإعلان مجاعة جديدة. لكنها تقول إن التحسن الذي أعقب توسيع الإمداد هش ويمكن أن ينقلب سريعا.
هنا تكمن حجة الغارديان الأساسية: الهدنة نجحت في خفض أسوأ درجات الحرمان، لكنها لم تبن قدرة الناس على إطعام أنفسهم. انتهت مجاعة أُعلنت في جزء من القطاع خلال 2025 بعد دخول كميات أكبر من الغذاء، غير أن الأرض والعمل والمساكن والخدمات لم تتعاف. وبذلك ظلت النجاة معلقة على ميزانية إنسانية تتأثر بقرارات حكومات بعيدة وبانحسار الاهتمام الإعلامي.
المشكلة ليست خيرية فقط. ضخ المساعدة النقدية، الذي تجاوز ثلاثين مليون جنيه إسترليني شهريا وفق ممثل البرنامج في فلسطين، كان يدعم القوة الشرائية ويدفع التجار إلى إدخال سلع. حين يتراجع النقد، لا تخسر الأسرة قسيمة فحسب؛ يفقد السوق طلبا يبرر للشاحنة أن تأتي وللتاجر أن يخاطر برأس المال. يمكن لخفض واحد أن يقلل الغذاء المجاني والتجاري معا.
لهذا لا يكفي القول إن إسرائيل استأنفت إدخال الشحنات التجارية بعد نزاع على رسوم فرضت على التجار. وجود بضاعة خلف المعبر لا يساوي قدرة على شرائها، ودخولها لا يضمن وصولها المنتظم أو سعرها. كما أن القيود على الوقود والزيوت وقطع الغيار والمخازن ترفع كلفة كل طن. الإغاثة في غزة أغلى من إرسال الطحين؛ فهي تحتاج إلى نقل وحماية وتخزين وطاقة واتصال وشركاء يعملون وسط دمار واسع.
تقول الغارديان إن التمويل المخصص لعملية فلسطين في 2026 هبط إلى أقل من نصف مستواه في سنوات سابقة، في سياق خفض أميركي وغربي أوسع لموازنات المساعدة. هذه واقعة تمويلية، أما تفسيرها بإرهاق المانحين فهو تحليل تدعمه عودة غزة من العناوين العاجلة إلى هامش الأخبار بعد الهدنة. لا يمكن قياس نيات كل حكومة من بند مالي واحد، لكن النتيجة واحدة: التعهد السياسي بالتعافي لم يتبعه تمويل يحمي الفترة الانتقالية.
المفارقة أن الخفض يأتي حين يصبح الشتاء أكثر كلفة. الأسرة التي تسكن خيمة تحتاج إلى غذاء أعلى طاقة، ووقود للتدفئة والطهي، وماء مأمون، ودواء لأمراض الجهاز التنفسي. الأطفال والحوامل والمرضعات يتحملون الخطر الأكبر. وتقول بيانات نقلتها الصحيفة عن اليونيسف إن طفلا من كل ثمانية يعاني تقزما أو سوء تغذية مزمنا، وهو ضرر قد يترك أثرا لا تعوضه وفرة مؤقتة لاحقا.
في الضفة الغربية، تكشف أسوشيتد برس وجها موازيا للأزمة. خفض البرنامج عدد المستفيدين من 400 ألف إلى 200 ألف، بينما قال مديره إن انعدام الأمن الغذائي تضاعف خلال ثلاث سنوات وأصبح نحو مليون فلسطيني بحاجة إلى مساعدة. الاعتداءات الاستيطانية وحرق الحقول وتعطيل الوصول إلى الزيتون لا تنتج إصابة ومصادرة فقط؛ إنها تسحب دخلا موسميا وتحوّل أزمة حماية وحقوق إلى أزمة غذاء.
من المهم فصل المسؤوليات. نقص التمويل يفسر قرار البرنامج الحالي، لكنه لا يمحو أثر القيود الإسرائيلية الطويلة على الغذاء والوقود والحركة، ولا أثر تدمير الأراضي الزراعية والبيوت والبنية الصناعية، ولا مسؤولية سلطات غزة عن الجباية أو إدارة التوزيع حيثما تثبت. تعدد الأسباب لا يساوي تساويها، بل يفرض قياس كل حلقة: ما دخل، وما خُزن، وما وُزع، ومن مُنع، ومن لم يعد يملك ثمن الشراء.
تقول الرواية الإسرائيلية إن الرقابة ضرورية لمنع تحويل الأموال والسلع إلى حماس، وأوقفت الشحن التجاري مؤقتا بعد اتهام الحركة بفرض رسم على الشاحنات. قالت الحركة إن المبلغ مساهمة طوعية، ثم أفادت السلطات الإسرائيلية بسحبه واستئناف التنسيق. هذه مواقف أطراف في نزاع، لكن نتيجتها العملية أن آلية الغذاء يمكن أن تتوقف بقرار سياسي حتى قبل أن يصل إليها أثر العجز المالي.
التقدير بأن الجوع قد يولد عدم استقرار ليس حجة لاستبدال الحق في الغذاء باعتبار أمني. المساعدة واجب إنساني وليست مكافأة على الهدوء. ومع ذلك، فإن انهيار التوزيع يزيد المنافسة على الطرود، ويقوي السوق السوداء، ويرفع قدرة الجماعات المسلحة والتجار الأقوى على التحكم في الندرة. أي خطة أمنية لليوم التالي تتجاهل ذلك تبني مؤسسات فوق مجتمع منشغل بالبحث عن الوجبة التالية.
توجد مشكلة زمنية أيضا. حتى إذا وصل التمويل غدا، يقول مسؤولو البرنامج إن شراء مكونات الطرود وشحنها قد يستغرق نحو ثلاثة أشهر. لذلك لا يعالج التعهد المتأخر فجوة الشتاء فوراً. في العمل الإنساني، التمويل القابل للتنبؤ أهم من موجة تبرعات قصيرة بعد صورة صادمة، لأن سلاسل الإمداد تحتاج إلى عقود ومساحات تخزين وناقلين وموظفين قبل أن يحتاجها الجائع بيوم.
الحل القصير يبدأ بسد فجوة الأشهر الستة ونشر مساهمات المانحين ومواعيدها، مع حماية برامج الأطفال والحوامل والمرضى من الخفض النسبي. ويحتاج البرنامج إلى احتياطي تشغيلي يسمح بشراء مسبق قبل الشتاء، وإلى آلية مستقلة لمراقبة التدفق من المعبر إلى الأسرة، حتى لا يتحول الجدل على التحويل والسرقة والرسوم إلى ذريعة لتعطيل السلسلة كلها.
أما الحل المتوسط فلا يمكن أن يبقى شاحنة بلا اقتصاد. يجب فتح الوصول الآمن إلى الأراضي الزراعية والبحر، وإصلاح الري والبيوت المحمية والمخابز ومصانع الغذاء، وتمويل أعمال نقدية لإزالة الركام وإعادة الخدمات. إعادة بناء القدرة المحلية تقلل الاعتماد على الطرود وتعيد للناس خيار ما يأكلون، لكنها تتطلب تسوية للسيطرة على الأرض والمعابر لا يستطيع برنامج غذاء أن ينجزها وحده.
ينبغي كذلك عدم استخدام رقم المستفيدين مقياسا وحيدا للنجاح. قد توزع الوكالة على مليون شخص لكن بحصة لا تكفي، أو تصل إلى أسرة مرة وتفقدها في الشهر التالي. المؤشرات الأجدى هي تنوع غذاء الأطفال، وعدد الوجبات، وسعر السلة، ونسبة الدخل إلى الغذاء، وانتظام المطابخ، وأيام المخزون، وقدرة السوق على العمل من دون احتكار أو رسوم غير معلنة.
في ميزان الوقائع والرأي، تثبت بيانات البرنامج حجم الخفض والفجوة المالية، وتؤكد وكالات الأنباء نطاق الجوع والتقليص في غزة والضفة. أما القول إن إرهاق المانحين هو السبب الكامل أو أن الخفض سيعيد المجاعة حتما فهو تقدير يحتاج إلى متابعة التمويل والوصول والأسعار والتغذية والوفيات. الخطر مرتفع، لكن النتيجة ليست قدرا إذا تحرك المانحون وبدأ التعافي الفعلي.
الخلاصة أن غزة انتقلت من اختبار إدخال الغذاء إلى اختبار تمويله وإنتاجه وشرائه. الهدنة التي لا تعيد الأرض والعمل والسكن تجعل كل تحسن مؤقتا، وكل خفض في الميزانية صدمة تمس المائدة مباشرة. نصف مليون شخص خارج الدعم ليس رقما إداريا؛ إنه إنذار بأن مرحلة ما بعد القصف يمكن أن تعيد إنتاج الجوع بأدوات أقل ظهورا: فاتورة لم تُدفع، وشاحنة لم تُحجز، ومطبخ يفتح يوما ويغلق آخر.