SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

حين تدفع الحرب فوائدها: كيف تنتقل صدمة الشرق الأوسط من هرمز إلى موازنات الدول الفقيرة؟

تقرير عربي موسع في تحليل رويترز لاجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك: مسار يبدأ من تعطّل الطاقة ويرفع كلفة الديزل والأسمدة والغذاء، ثم يدفع التضخم والفائدة وخدمة الدين إلى الأعلى؛ مع فصل الأرقام المؤكدة عن تقدير السياسات ومخاطر التقشف.

لم تعد حرب الشرق الأوسط بندا جانبيا في أجندة وزراء المال ومحافظي البنوك المركزية. في تقرير نشرته رويترز يوم 11 أكتوبر 2026، ترسم أندريا شلال صورة لاجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك بوصفها اجتماعا اقتصاديا تحت ظل حرب فعلية: الطاقة أقل توافرا، الديزل والأسمدة أغلى، التضخم أكثر عنادا، والفائدة التي يفترض أن تكبح الأسعار تزيد بدورها كلفة الديون. هكذا تنتقل الضربة من الممر البحري إلى الموازنة العامة ثم إلى حياة المواطن الذي قد لا تقع بلاده قرب أي جبهة.

الواقعة المركزية في تقرير رويترز هي إغلاق إيران مضيق هرمز وما ترتب عليه من تعطل تدفقات تمثل نحو خمس إمدادات النفط العالمية. تقول الوكالة إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران دخلت شهرها الثامن، وإن أكثر من مليار برميل سحبت، بصورة رئيسية، من المخزونات التجارية البرية منذ بدء الحرب في 28 فبراير. كما اتفقت دول مجموعة السبع على تحرير مئة مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطاتها الطارئة. هذه إجراءات تخفف الصدمة، لكنها لا تنشئ طاقة إنتاج أو تكرير جديدة.

يحذر مسؤولو الصناعة، وفق رويترز، من أن المخزون المتاح فعليا للسوق العالمية يتناقص. والفارق هنا مهم بين وجود النفط على الورق وإمكان الوصول إليه ونقله وتكريره في الوقت والمكان المطلوبين. قد تملك دولة مخزونا استراتيجيا ضخما، لكن الاختناق في الناقلات أو الموانئ أو المصافي يجعل برميلا مخزنا في قارة أقل فائدة من شحنة ديزل قريبة من سوق تعاني نقصا فوريا. لذلك لا تقاس الهشاشة بحجم الاحتياط وحده، بل بسرعة تحويله إلى وقود صالح للاستخدام.

توضح كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد، أن النفط بقي قرب مئة دولار للبرميل، فيما أضاف تعطل طاقة التكرير هامشا يقارب مئة دولار أخرى لبعض المنتجات الرئيسية، ومنها الديزل. لا يعني ذلك أن سعر كل برميل في السوق تضاعف بالطريقة نفسها؛ الرقم يشير إلى اتساع هامش التكرير لمنتجات محددة. لكنه يكشف أن متابعة الخام وحده قد تقلل حجم الأزمة التي يراها سائق الشاحنة أو المزارع أو محطة الكهرباء.

الديزل حلقة وصل بين الحرب والأسعار اليومية. فهو يشغل الشاحنات والآلات الزراعية وبعض المولدات ويدخل في كلفة النقل والتوزيع. وإذا ارتفع، لا تزيد فاتورة الوقود فقط؛ ترتفع أيضا كلفة إيصال القمح والدواء ومواد البناء إلى الأسواق. ولهذا يربط رئيس البنك الدولي أجاي بانغا بين ثلاثة ضغوط لا تعمل منفردة: الطاقة، والأسمدة، وظاهرة إل نينيو المناخية. كل عامل يضغط على الغذاء، واجتماعها قد يضاعف الأثر على الدول المستوردة.

يجب فصل الوقائع هنا عن التقدير. حقيقة ارتفاع الأسعار وتراجع المخزون وسحب الاحتياط قابلة للرصد، لكن القول إن العالم أمام أسوأ مسار محتوم ليس حقيقة مكتملة. قد تفتح ممرات إضافية، أو تتراجع العمليات، أو تستجيب المصافي والمنتجون، أو يهبط الطلب. في المقابل، قد يطول الإغلاق ويأتي الشتاء بطلب أعلى على التدفئة والغاز. لذلك يقدم تقرير رويترز خريطة مخاطر لا نبوءة واحدة، وتبقى النتيجة مرتبطة بطول الحرب واتساعها وقدرة السوق على التكيف.

المرحلة الثانية من انتقال الصدمة هي التضخم. حين تزيد كلفة الطاقة والغذاء، ترتفع مؤشرات الأسعار مباشرة، ثم قد تتسع الآثار إلى الأجور والخدمات وتوقعات المستهلكين. أظهر بحث لصندوق النقد، عرضته رويترز في السادس من أكتوبر، أن توقعات التضخم القصيرة والمتوسطة الأجل تبقى أعلى من مستواها السابق حتى بعد مرور ثلاث سنوات على بدء أزمة كلفة معيشة. وهذا يعني أن الصدمة قد تستمر في سلوك الناس والأسواق حتى بعد تراجع السعر الأولي.

وجد نموذج صندوق النقد أيضا أن احتساب التضخم الذي تتحمله الأسر الفقيرة، التي تنفق حصة أكبر على الضروريات، يزيد القياس بنحو 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمؤشر المعتاد، وأن 23 مليون شخص إضافي ربما هبطوا تحت خط الفقر المدقع بين 2021 و2024 قياسا بالتقديرات السابقة. هذه النتيجة تخص فترة سابقة وليست تقديرا لخسائر حرب 2026، لكنها تشرح لماذا تكون صدمة الغذاء والطاقة غير متساوية حتى داخل الدولة الواحدة.

تأتي الفائدة بعد التضخم. تميل البنوك المركزية إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة كي لا تتحول الزيادة المؤقتة إلى موجة دائمة، وقد دعت جورجيفا إلى ميل حذر نحو التشدد. لكن رفع الفائدة يعالج جانب الطلب ولا يفتح مضيق هرمز ولا يصلح مصفاة. إنه يبطئ الاقتراض والاستهلاك والاستثمار حتى لا تنتشر الأسعار، وتلك معالجة قد تكون ضرورية لكنها تحمل كلفة نمو ووظائف وخدمة دين أعلى.

هنا تدخل الموازنات إلى قلب الأزمة. يقول صندوق النقد، بحسب رويترز، إن الدين العام العالمي بلغ أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية، وإنه مرشح لتجاوز مئة في المئة من الناتج العالمي قبل 2030. الاقتصادات المتقدمة، وفي مقدمها الولايات المتحدة، تملك أعلى نسب الدين إلى الناتج، لكنها تقترض عادة بعملاتها وفي أسواق أعمق. أما الدول منخفضة ومتوسطة الدخل فتواجه الخطر من جهة الفائدة وسعر الصرف وتدفقات رأس المال معا.

تواجه الدول النامية مجتمعة نحو أربعمئة مليار دولار من المدفوعات للدائنين الخارجيين في 2026، وتتجاوز فوائد الدين في المتوسط عشرة في المئة من إيرادات الحكومات. الرقم الجماعي لا يعني أن كل دولة في الوضع نفسه، ولا يكشف بمفرده آجال الاستحقاق أو شروط القروض. لكنه يحدد حجم المفاضلة: كل زيادة في الفائدة أو تراجع في العملة يستهلكان مساحة كان يمكن أن تذهب إلى الصحة والتعليم وشبكات الحماية أو استيراد الوقود والغذاء.

تدعم بيانات الأونكتاد الاتجاه العام وإن اختلفت سنوات القياس والتعاريف. ففي إصدار عالم من الديون 2026، قدرت المنظمة الدين العام العالمي بنحو 111 تريليون دولار في 2025، وأكدت أن كلفة الاقتراض على الدول النامية أعلى بكثير من كلفته على الاقتصادات المتقدمة. لا يستخدم هذا التقرير الرقمين كأنهما مقياس واحد؛ الأول قيمة اسمية للدين العام، والثاني توقع لنسبته إلى الناتج. الجمع بينهما مفيد لإظهار الحجم والكلفة، لا لإنتاج رقم ثالث.

الآلية الأخطر تبدأ حين ترتفع العملة الأميركية والفائدة الأميركية معا. يبحث المستثمرون عن عائد آمن في الأصول الأميركية، فتخرج أموال من الأسواق الناشئة، وتضعف عملاتها، وتغلو وارداتها المقومة بالدولار. الدولة المستوردة للطاقة تدفع عندئذ سعرا أعلى للبرميل وعملة أكثر للدولار وفائدة أكبر عند تجديد سنداتها. إنها ثلاثة مضاعفات للصدمة نفسها، وليست ثلاث أزمات منفصلة.

لهذا يختلف أثر الحرب بين رابح وخاسر. قد تستفيد دولة مصدرة للنفط من السعر المرتفع إذا بقيت موانئها ومصافيها قادرة على التصدير، بينما تخسر دولة خليجية أخرى إذا أصابتها الضربات أو تعطلت شحناتها. وقد تستفيد شركة ذكاء اصطناعي في اقتصاد غني من طفرة الاستثمار التي تدعم النمو، فيما لا تحصل دولة فقيرة على المكسب التقني نفسه وتتحمل فقط الطاقة والفائدة. وصفت جورجيفا الاقتصاد العالمي بأنه يجذب في اتجاهين: صدمة عرض سلبية من الحرب وصدمة طلب إيجابية من الذكاء الاصطناعي، لكن توزيع النتيجة غير متكافئ.

التقدير السياسي يبدأ عند سؤال من يدفع كلفة التكيف. في بداية جائحة كورونا علقت مجموعة العشرين خدمة الدين لأفقر البلدان، لكن دبلوماسيين قالوا لرويترز إن الشهية لتكرار خطوة مماثلة ضعيفة الآن. يعود ذلك إلى ديون أعلى وضغوط سياسية داخلية في الدول الدائنة. وإذا لم يأت تخفيف خارجي، تنتقل الاستجابة إلى الداخل: ضرائب أعلى، دعم أقل، استثمار عام مؤجل أو تقليص رواتب وخدمات.

تخشى منظمات عدالة الديون أن يؤدي توجه صندوق النقد إلى شروط أقل عددا لكنها أعمق في برامج الإقراض إلى تقشف أشد. تنقل رويترز عن يولاندا فريسنيو من شبكة يوروداد تحذيرها من أن الدول تخفض الإنفاق بالفعل بسبب المدفوعات وشروط الصندوق. هذا موقف نقدي لا نتيجة محسومة لكل برنامج؛ فالصندوق يجادل عادة بأن الإصلاح المالي يعيد الاستقرار ويحمي القدرة على التمويل. الحكم يحتاج إلى فحص تصميم كل برنامج: من يتحمل العبء، وما الذي يحمي الفقراء، وهل تؤجل الاستثمارات المنتجة أم النفقات الأقل أولوية.

تعطي كينيا مثالا على التعقيد. تجنبت إعادة هيكلة الدين عبر خفض الإنفاق ومحاولة زيادة الضرائب، لكن الإجراءات فجرت احتجاجات واسعة ولا سيما بين الشباب. لا يثبت المثال أن كل ضبط مالي يفشل، لكنه يبين أن الاستدامة الحسابية لا تكفي إذا فقدت السياسة القبول الاجتماعي. برنامج يقلص العجز على الورق وقد يفقد الشرعية أو يضعف النمو يمكن أن يعيد مشكلة الدين بعد سنوات بصورة أشد.

هناك أيضا فرق بين دعم عام مكلف وحماية موجهة. بحث صندوق النقد عن أزمات المعيشة خلص إلى أن التحويلات النقدية الموجهة أكثر كفاءة في حماية الأضعف مع إبقاء إشارة السعر، بينما قد تكلف ضوابط الأسعار أو تخفيض ضرائب الاستهلاك ثلاثة إلى ستة أضعاف، وقد تصل كلفة دعم المنتجين إلى اثنين وعشرين ضعفا. غير أن نجاح الاستهداف يفترض سجلات اجتماعية وحسابات دفع وقدرة إدارية لا تتوافر بالتساوي في الدول الهشة.

بالنسبة إلى فلسطين وغزة، يقدم هذا المسار الاقتصادي سياقا لا ينبغي أن يذيب المأساة المحلية في أرقام عالمية. الحرب بدأت من أرض وحقوق وأمن وحياة مدنيين، لكن امتدادها إلى إيران والخليج والممرات البحرية جعل تمويل الإغاثة والإعمار نفسه أكثر صعوبة: المانحون يواجهون فوائد أعلى وموازنات دفاع أكبر، ومواد البناء والنقل أغلى، والدول المستضيفة للاجئين أو الداعمة للخدمات تتعرض لضغط إضافي. العلاقة غير المباشرة لا تقلل المسؤولية المباشرة عن الدمار.

يشير تقرير رويترز إلى مفارقة زمنية. عقدت آخر اجتماعات كبيرة للصندوق والبنك خارج واشنطن في المغرب بعد أيام من هجوم 7 أكتوبر 2023. وقتها اعتبر بعض مسؤولي المال الحدث قضية أمنية لا اقتصادية. بعد ثلاث سنوات، صار الوصول إلى اجتماع بانكوك نفسه يتأثر بمسارات الطيران فوق الشرق الأوسط، بينما تتصدر الطاقة والدين جدول الأعمال. تحول الخطر من بند سياسي بعيد إلى متغير داخل نماذج النمو والتضخم والموازنة.

من زاوية التقدير التحريري، تكمن دلالة تقرير أندريا شلال في أنه يكشف سلسلة السببية كاملة: الحرب تعطل ممرا، تعطل الممر يرفع كلفة الوقود والأسمدة، الأسعار ترفع التضخم، التضخم يبقي الفائدة مرتفعة، والفائدة تدفع خدمة الدين إلى مزاحمة الإنفاق الاجتماعي. ليست كل حلقة آلية أو متساوية في كل بلد، لكن تجاهل أي حلقة يجعل السياسة تعالج العرض الأخير وتنسى السبب الأول.

يمكن قياس الاستجابة العادلة بخمسة اختبارات: هل يحصل المتضررون مباشرة على دعم موجه؟ هل تؤجل الديون أو يعاد هيكلتها قبل أن تنهار الخدمات؟ هل يحافظ برنامج الإصلاح على الصحة والتعليم والاستثمار المناخي؟ هل تكشف الحكومات عقود الطاقة والاقتراض وكلفة الدعم؟ وهل تربط المؤسسات المالية تشخيصها الاقتصادي بدعوة صريحة إلى خفض التصعيد وفتح الممرات وحماية المدنيين، بدلا من التعامل مع الحرب كطقس خارجي؟

الخلاصة أن فاتورة حرب الشرق الأوسط لا تقف عند سعر النفط ولا عند الدول المشاركة فيها. إنها تظهر في رغيف أغلى، وسماد أقل، وفائدة أعلى، ومدرسة أو مستشفى تؤجل الحكومة تمويلهما كي تدفع للدائن. الوقائع التي تجمعها رويترز تثبت هشاشة الطاقة وثقل الدين؛ أما التقدير فهو أن ترك الدول الأضعف تواجه الصدمتين وحدها يحول الحرب إلى برنامج تقشف عالمي غير معلن. وقف النار وإعادة فتح الممرات ليسا مطلبين أمنيين وإنسانيين فقط، بل أول سياسة اقتصادية لمنع انتقال النار إلى موازنات لا تملك احتياطا ولا صوتا في قرار الحرب.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في رويترز؛ تحقق عبر تغطية صندوق النقد والأونكتاد باسم أندريا شلال بتاريخ 11 أكتوبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

رويترز والغارديان؛ تحقق عبر أسوشيتد برسحين صمت الإنذار ووصل الصاروخ: ماذا كشف استهداف مطار الرياض عن حدود القوة السعودية؟قراءة التقرير ←رويترز؛ تحقق عبر فايننشال تايمز وأسوشيتد برسعيون بلا رادار: كيف نقلت إيران معركة هرمز إلى قوارب صغيرة وخريطة أوسع؟قراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية