تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
عيون بلا رادار: كيف نقلت إيران معركة هرمز إلى قوارب صغيرة وخريطة أوسع؟
تقرير عربي موسع في تحقيق رويترز عن تكتيكات إيرانية جديدة بعد تضرر شبكة الرادار: مراقبون غير مسلحين على قوارب صغيرة، وتسارع للهجمات واتساعها إلى خليج عُمان؛ مع تدقيق الفارق بين الوقائع البحرية المثبتة وروايات المسؤولين وحسابات التأثير في الانتخابات الأميركية.
لم تعد معركة مضيق هرمز تدور فقط بين رادار على الساحل ومدمرة في البحر. يكشف تحقيق نشرته رويترز في 14 أكتوبر 2026 أن إيران، بعدما دمرت ضربات أميركية قسما كبيرا من قدرتها الرادارية، بدأت تعويض النقص بمراقبين غير مسلحين على قوارب صغيرة يحددون السفن ويرسلون معلومات الاستهداف إلى الحرس الثوري. هذه ليست عودة بدائية إلى البحر، بل محاولة لبناء شبكة حساسات بشرية موزعة يصعب إسكاتها بضربة واحدة.
أعد التحقيق باريسا حافظي وجوناثان سول وفيل ستيوارت، واستند إلى مسؤولين إيرانيين كبيرين ومسؤول عسكري أميركي ومصادر أمن بحري وبيانات صادرة عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية والمنظمة البحرية الدولية. قوة المادة في تقاطع الروايات، لكن حدودها واضحة أيضا: بعض التفاصيل جاءت من مسؤولين لم تكشف هوياتهم، ولم يرد البنتاغون ولا وزارة الخارجية الإيرانية فورا على طلبات التعليق. لذلك يفصل هذا التقرير بين ما وثقته سجلات الملاحة وما بقي تفسيرا من أطراف الصراع.
الوقائع المؤكدة تبدأ بتسارع الخطر. أحصت بيانات نقلتها رويترز خمس حوادث على الأقل خلال ثمان وأربعين ساعة حول هرمز، شملت ناقلات وسفنا تجارية وضربات بطائرات مسيرة. وقال مصدر أمن بحري إن ارتفاع وتيرة الضربات يبدو متعمدا. كما ذكرت فايننشال تايمز، اعتمادا على بلاغات بريطانية ومصادر أمنية أوروبية، أن أربعاً وعشرين سفينة أصيبت خلال الأسبوعين المنتهيين في 11 أكتوبر، وهي أشد موجة منذ بدء الحرب.
لكن نسبة كل حادث إلى إيران ليست متساوية في درجة اليقين. قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ثلاثة سفن تعرضت لمقذوفات مجهولة، ولم تعلن جهة مسؤوليتها فوراً. في المقابل، تحدث مسؤولون إيرانيون لرويترز عن استراتيجية جديدة تستهدف السفن التي تعدها طهران منتهكة لقيودها، وقال محسن رضائي في التلفزيون الرسمي إن القوات الإيرانية تضرب ما سماه سفن تهريب. هذه تصريحات أطراف، لا نتائج تحقيق مستقل في كل ضربة.
تشرح الرواية الأميركية الجزء الأكثر غرابة في التحول. قال مسؤول عسكري لرويترز إن مراقبين إيرانيين استخدموا مركبا شراعيا تقليديا لتحديد أهداف محتملة، بينها سفن حربية أميركية، ثم نقلوا إحداثياتها إلى الحرس الثوري. واجهت القوات الأميركية القارب وطلبت من ركابه مغادرته قبل تدميره، وقال المسؤول إن الحادث لم يوقع ضحايا. لم تقدم واشنطن دليلا علنيا مستقلا على مهمة القارب، لذلك يبقى الوصف منسوبا إلى مصدرها العسكري.
الدلالة التقنية تتجاوز القارب نفسه. الرادار يمنح صورة واسعة ومتواصلة وسرعة في تحديد المسار، لكنه منشأة يمكن رصدها والتشويش عليها أو تدميرها. أما شبكة المراقبين فمدى كل نقطة فيها محدود، واتصالها أبطأ وأكثر عرضة للخطأ، لكنها رخيصة وقابلة للاستبدال والانتشار بين حركة مدنية كثيفة. يستطيع المهاجم أن يخسر عقدة ويبقي الشبكة، فيما يواجه المدافع مشكلة التمييز بين صياد ومراقب ومركب ناقل للمعلومة.
هذا الغموض يخلق خطرا قانونيا وعملياتيا. إذا تحولت قوارب مدنية المظهر إلى جزء من سلسلة الاستهداف، قد توسع القوات الأميركية دائرة الاشتباه في سفن صغيرة لا تشارك في القتال. وفي بحر مزدحم، يصبح الخطأ في الهوية أو اللغة أو الاتصال اللاسلكي مقدمة لاشتباك لم يخطط له أحد. لا تمنح صعوبة التمييز أي طرف حق ضرب قارب بلا تحقق، لكنها تظهر كيف ينقل التكتيك كلفة الحرب إلى المدنيين والعاملين في البحر.
يربط المسؤولان الإيرانيان التحول بهدف سياسي محدد: إبقاء أسعار النفط مرتفعة وإحباط مساعي واشنطن لخفضها قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. قال أحدهما إن القرار اتخذ على أعلى مستويات القيادة، وشبه الآخر المواجهة بلعبة شطرنج. هذه رواية إيرانية عن النية، وليست دليلا على أن الهجمات ستغير التصويت فعلا أو أن كل تحرك بحري صمم لهذا الغرض.
مع ذلك، توجد آلية اقتصادية تجعل الحساب معقولا. كان المضيق يحمل قبل الحرب نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ولا يحتاج تعطيله الكامل كي ترتفع الكلفة؛ يكفي أن تتزايد احتمالات الإصابة، فتزيد أقساط التأمين وأجور الطواقم والنقل، وتتردد الشركات في إرسال السفن. السوق يسعر الخطر المتوقع، لا البراميل التي توقفت فقط، ولذلك يمكن لهجمات محدودة أن تنتج أثرا يتجاوز الضرر المادي المباشر.
تقول رويترز إن الحرب وكلفتها الأميركية المقدرة بثلاثة مليارات دولار شهريا أصبحتا موضوعا انتخابيا. يحاول الرئيس دونالد ترامب إظهار أنه قادر على إعادة تدفق الطاقة وخفض الأسعار، بينما تقول طهران إنها تريد حرمانه من هذا الإنجاز. لكن تحويل هرمز إلى أداة انتخابية لا يعني أن الناخب سيستجيب بالطريقة التي تريدها إيران؛ ارتفاع الأسعار قد يعاقب الإدارة، وقد يزيد أيضا التأييد لرد عسكري أشد.
هنا تظهر حدود مفهوم التأثير. تستطيع طهران رفع عدم اليقين، لكنها لا تتحكم وحدها في سعر النفط ولا في سلوك المصافي والمخزونات والمنتجين الآخرين. وتقول الرواية الأميركية في التحقيق نفسه إن إيران، رغم المراقبين والهجمات، لم تمنع زيادة صادرات تمر عبر المضيق بعد تدمير جزء كبير من قواتها البحرية. الحقيقة ليست سيطرة إيرانية مطلقة ولا ممرًا آمنا، بل قدرة متبادلة على الإيذاء من دون قدرة واضحة على فرض نهاية.
الجديد الثاني هو اتساع الخريطة. قال المسؤولان الإيرانيان إن العمليات ستتجاوز المضيق إلى خليج عُمان ومياه أبعد، ورصدت تحليلات أمنية حوادث قرب قطر والإمارات. هذا التوسع يضغط على فكرة الممر البديل: حتى إذا نجحت سفينة في عبور نقطة الاختناق، قد تظل معرضة للمراقبة أو الهجوم قبلها وبعدها. الخطر ينتقل من بوابة جغرافية ضيقة إلى حزام بحري أوسع.
تضيف أسوشيتد برس أن إيران تبدو مهتمة خصوصا بالسفن المشاركة في نقل النفط من سفينة إلى أخرى. هذه العملية تسمح بتحريك الشحنات من ناقلات أصغر إلى ناقلات كبيرة تنتظر في منطقة أكثر أمنا، وهي جزء من محاولات إبقاء الطاقة متدفقة رغم الخطر. استهدافها يهاجم اللوجستيات لا الناقلة المنفردة فقط: يعطل نقطة التجميع، ويزيد عدد الرحلات والانتظار، ويجعل عملية الإخفاء أو التوزيع نفسها مصدرا جديدا للمخاطرة.
لا يوجد دليل منشور يثبت أن كل سفينة أصيبت كانت تشارك في نقل نفط أو تخالف قيودا إيرانية. مصطلح سفن التهريب جزء من خطاب طهران ويعطي الهجوم غطاء قانونيا وسياسيا من وجهة نظرها. أما السفن التجارية فتبقى في الأصل أعيانا مدنية، ولا يحول نقل الطاقة تلقائيا إلى هدف عسكري. يجب تقييم كل حادث بحسب هوية السفينة وحمولتها واستخدامها الفعلي وقواعد النزاع، لا بحسب تسمية طرف واحد.
يضع مركز المعلومات البحري المشترك بقيادة البحرية الأميركية مستوى التهديد عند شديد، وهو ثاني أعلى مستوى، وسجل هجمات ومحاولات هجوم وتحليق مسيرات ومراقبة موجهة ونداءات عبر موجات الاتصال. هذه القائمة مهمة لأنها تبين أن الضغط لا يبدأ بالصاروخ. يمكن للاستدعاء اللاسلكي والمطاردة والمراقبة أن تغير مسار الربان وتؤخر السفينة وتطلق إنذارا تأمينيا حتى من دون إصابة.
أما التهديد الإيراني بإغلاق كامل للمضيق قريبا، فهو قول لمسؤول مجهول لا واقعة منجزة. استمرار مرور بعض النفط وزيادة الصادرات التي تتحدث عنها واشنطن يناقضان فكرة الإغلاق الكامل في الوقت الراهن. التمييز هنا ضروري: إيران تسعى إلى إظهار قدرتها على التحكم، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إثبات فشلها؛ وبين الروايتين توجد حركة بحرية أقل من الطبيعي وأكثر كلفة وخطرا، لكنها لم تتوقف.
من الناحية العسكرية، تمنح قوارب الرصد إيران ثلاث مزايا: الاستمرار بعد فقدان الرادار، وتوسيع مساحة المراقبة، وإجبار الخصم على استهلاك وقت وموارد ضد أهداف صغيرة. لكنها تحمل ثلاث نقاط ضعف مقابلة: محدودية الرؤية، واحتمال انقطاع الاتصال، وسهولة وقوع المراقبين في الأسر أو فقدان القارب. لذلك هي أداة تعويض واحتكاك أكثر منها بديلا كاملا عن شبكة قيادة وسيطرة حديثة.
قد ترد واشنطن بمرافقة السفن أو ضرب عقد المراقبة أو زيادة الاستطلاع الجوي والفضائي. لكل خيار ثمن. القوافل تحتاج سفنا كثيرة وجدولا يمكن توقعه، وضرب القوارب يرفع خطر إصابة مدنيين، والمراقبة الإلكترونية قد تكشف الأهداف لكنها لا تمنع مقذوفا رخيصا دائما. كما أن نشر قوة أكبر لحماية التجارة يزيد كلفة الحرب التي تريد الإدارة خفضها قبل الانتخابات.
تواجه شركات الشحن معادلة مختلفة. هي لا تنتظر حكما نهائيا على المسؤولية، بل تقارن أجرة الرحلة والتأمين والوقت باحتمال الضرر. قد تختار بعض الناقلات انتظار ممر بحري محمي، أو نقل الحمولة بين السفن، أو الإبحار إلى موانئ بعيدة. كل بديل يستهلك سفنا ووقودا وأياما إضافية، ثم ينتقل جزء من الكلفة إلى الديزل والكهرباء والغذاء والنقل الجوي.
لكن وصف الشبكة بالمرونة لا يعني تمجيدها. استهداف التجارة المدنية يعرّض بحارة من دول لا علاقة لها بالحرب للموت، ويضغط على اقتصادات فقيرة لا صوت لها في قرار طهران أو واشنطن. كما أن الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية والعقوبات الموسعة يستخدمان الاقتصاد أداة ضغط قد يدفع كلفتها المدنيون الإيرانيون أيضا. الطرفان ينقلان الصراع من الجبهة إلى السوق وسلسلة الإمداد.
الحل العملي لا يبدأ بوعد السيطرة الكاملة، بل بخفض فرص الخطأ: قناة اتصال بحرية طارئة، ونشر سريع وشفاف لبلاغات الحوادث، وتوحيد تعليمات المرور، وفصل السفن الإنسانية والغذائية، وتحقيق مستقل في الضربات، واتفاق محدود يحظر استهداف الناقلات مقابل قواعد قابلة للتحقق لمرور النفط. هذه ليست تسوية للحرب، لكنها سياج يمنع الممر من التحول إلى زناد دائم.
يحتاج التحقق أيضا إلى شفافية أكبر من شركات الأمن والحكومات. يجب أن تحمل كل حصيلة زمن الحادث وموقعه ونوع الضرر ودرجة الثقة في نسبة المسؤولية. جمع تحذير غير مؤكد مع إصابة مثبتة وادعاء سياسي في رقم واحد يضخم أو يقلل الخطر بحسب من يستخدمه. أفضل دفاع ضد حرب المعلومات هو سجل علني يفرق بين البلاغ والتحقيق والاستنتاج.
التقدير التحريري أن التحول الإيراني يكشف قاعدة أوسع في حروب اليوم: تدمير المنصة لا ينهي الوظيفة إذا أمكن توزيعها على أدوات أبسط. رادار أقل لا يعني عيونا أقل، وتفوق بحري لا يعني عبورا آمنا لكل سفينة. لكنه يكشف أيضا أن المرونة التكتيكية لا تنتج نصرا سياسيا تلقائيا؛ فقد تطيل الاستنزاف وتزيد احتمال خطأ يفتح جولة أعنف.
الخلاصة أن هرمز دخل مرحلة يصبح فيها القارب الصغير عقدة في شبكة إقليمية، والناقلة التجارية ورقة ضغط، وسعر الوقود رسالة إلى ناخب في قارة أخرى. الوقائع تثبت ارتفاع وتيرة الهجمات واتساع مساحة الخطر واستخدام مراقبين بحسب مصدر أميركي؛ أما هدف التأثير في الانتخابات والإغلاق الكامل فادعاءان لمسؤولين إيرانيين لم يتحققا بعد. وبين الاثنين يقف البحارة والأسواق أمام حرب تستطيع تغيير تكتيكها أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.