SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

حين يصبح الإفلات من العقاب نظاما: كيف غيّرت حرب غزة معنى القوة والقانون؟

قراءة عربية موسعة في حجة ستيف بلومفيلد بأن حرب غزة لم تغيّر الإقليم وحده، بل سرعت انتقال العالم من قواعد ضعيفة التطبيق إلى منطق القوة؛ مع فصل الوقائع الميدانية عن رأي الكاتب وتدقيق حصيلة عام من الهدنة المتعثرة.

بعد ثلاث سنوات من هجوم 7 أكتوبر 2023، وبعد عام كامل من وقف إطلاق النار الذي كان يفترض أن يفتح باب نهاية الحرب، ينقل ستيف بلومفيلد النقاش في مقاله المنشور في الغارديان يوم 10 أكتوبر 2026 من سؤال ما الذي جرى في غزة إلى سؤال أكبر: ما الذي جرى للعالم بسبب غزة؟ حجته الأساسية أن الحرب لم تبق مأساة محلية ولا مواجهة ثنائية، بل صارت لحظة تسريع لانهيار القيود السياسية والقانونية على استخدام القوة.

تبدأ الوقائع من تناقض يصعب تجاهله. أوقف اتفاق أكتوبر 2025 العمليات العسكرية الواسعة، وأتاح الإفراج عن بقية المحتجزين الإسرائيليين وزاد دخول المساعدات، لكنه لم ينه الضربات ولا السيطرة العسكرية ولا النزوح. وتفيد أسوشيتد برس بأن أكثر من 1400 فلسطيني قتلوا منذ بدء الهدنة، فيما قالت رويترز إن خمس ضحايا سقطوا في غارات إسرائيلية جديدة يوم 10 أكتوبر 2026. هذه أرقام منسوبة إلى وزارة الصحة في غزة وتعرضها الوكالتان مع موقف الجيش الإسرائيلي من عملياته.

أما حصيلة الحرب الأوسع فتجاوزت 74 ألف قتيل فلسطيني وفق السلطات الصحية في غزة، التي تعد سجلاتها محل اعتماد عام لدى وكالات الأمم المتحدة وخبراء مستقلين، مع أنها لا تفصل في مجموعها بين المدنيين والمقاتلين. وفي الجانب الإسرائيلي قتل نحو 1200 شخص في هجوم حماس واحتجز 251. هذه الوقائع لا تلغي الفارق في حجم القوة والدمار، ولا تحول الضحايا إلى أرقام متقابلة؛ لكنها تضع نقطة البداية التي بنى عليها كل طرف سرديته الأمنية والأخلاقية.

يفصل التقرير بين هذه الوقائع وبين رأي بلومفيلد. فالقول إن الحرب غيّرت النظام الدولي ليس حقيقة قابلة للقياس مثل عدد الضحايا، بل أطروحة تفسيرية. قوتها أنها تربط مسارات ظهرت معا: اتساع ساحات القتال، ضعف المؤسسات الدولية، تسارع تقنيات الاستهداف، وتراجع ثقة قطاعات واسعة في خطاب غربي يقدم القانون باعتباره قاعدة عامة ثم يطبقه بصورة انتقائية.

في المستوى الإقليمي، يرى الكاتب أن دائرة الحرب اتسعت من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران والخليج واليمن، وأن صراعات متداخلة جذبت دولا وفاعلين إضافيين. هذا الوصف يحتاج إلى حذر سببي. ليست كل حرب في السودان أو إثيوبيا نتيجة مباشرة لغزة، ولكل ساحة جذورها المحلية الطويلة. الأدق أن غزة أصبحت مركز شبكة تصعيد يتقاطع فيها الفاعلون والأسلحة والممرات البحرية والتحالفات، وأنها رفعت كلفة الأزمات الموجودة أصلا وسهلت انتقال النار بينها.

تظهر هذه الشبكة في البحر الأحمر وباب المندب، وفي الهجمات على السعودية، وفي الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وفي العمليات الإسرائيلية داخل لبنان وسوريا. ما يجمع تلك الساحات ليس قيادة واحدة ولا هدفا واحدا، بل منطق رد متبادل يسمح لكل طرف بتقديم توسع عملياته بوصفه دفاعا ضروريا. وحين لا توجد آلية موثوقة لإنهاء الجولة الأولى، تصبح كل ضربة سببا للجولة التالية ويصعب تحديد النقطة التي يمكن عندها العودة إلى السياسة.

المحور الأثقل في مقال الغارديان هو القانون الدولي. يقول بلومفيلد إن الحكومات الغربية التي بنت تعبئتها ضد الغزو الروسي لأوكرانيا على الدفاع عن السيادة وحماية المدنيين فقدت قدرا كبيرا من سلطتها الأخلاقية حين دعمت إسرائيل عسكريا وسياسيا رغم اتساع الدمار في غزة. هذه خلاصة رأي، لكنها تستند إلى مفارقة سياسية ملموسة: القواعد نفسها بدت مختلفة في التطبيق تبعا لهوية الحليف والخصم.

لا يعني ذلك أن القانون كان قويا أو متساوي التطبيق قبل غزة. يشير الكاتب نفسه إلى حروب تيغراي والسودان وإلى مجازر وتجويع وعنف جنسي بلا مساءلة كافية. لذلك ربما لا تكون غزة اللحظة التي مات فيها نظام قانوني كان يعمل، بل اللحظة التي صار فيها ضعفه مرئيا لجمهور عالمي هائل. الجديد ليس الإفلات من العقاب وحده، بل القدرة على مشاهدته لحظة بلحظة مع استمرار الدعم الدبلوماسي والعسكري لمن يملك القوة.

هنا تحتل الصورة وشهادة الصحفي الفلسطيني مكانا سياسيا. منعت إسرائيل الصحفيين الدوليين من الدخول المستقل إلى القطاع، لكن صحفيين فلسطينيين وفرق إسعاف وسكانا وثقوا القصف والقتل والدمار عبر الهواتف والمنصات. أدى ذلك إلى نشوء فجوة بين رواية المؤسسات وبين ما يراه الناس مباشرة. لم يعد احتكار المعلومات ممكنا، لكن وفرة الصور لم تتحول تلقائيا إلى قدرة على وقف الانتهاك أو فرض تحقيق ومحاسبة.

هذه الفجوة تفسر لماذا تبدو غزة اختبارا لحدود الشهادة نفسها. إذا أمكن توثيق استهداف مستشفى أو مدرسة أو نقطة توزيع، ثم يستمر الجدل أشهرا حول الصياغة القانونية بينما تتكرر الوقائع، يتحول الإثبات من أداة منع إلى أرشيف للمأساة. لا تفقد الوثيقة قيمتها القضائية والتاريخية، لكنها تكشف أن المعرفة من دون سلطة تنفيذ لا تكفي لحماية المدنيين في الوقت الحقيقي.

يربط بلومفيلد أيضا حرب غزة بتغير طريقة القتال عبر استخدام الذكاء الاصطناعي والمراقبة الواسعة لتوليد الأهداف وتسريع القرار. سبق أن تناولت سابا هذه المسألة في تقرير مستقل عن فيلم نازا وشهادات عسكريين إسرائيليين، لذلك لا يكرر هذا التقرير التفاصيل. الدلالة هنا مختلفة: حين تزداد سرعة اقتراح الهدف ولا تزداد معها صرامة المراجعة والمساءلة، قد تصبح التقنية مضاعفا لخلل سياسي وقانوني قائم لا بديلا محايدا من الإنسان.

تظل المسؤولية بشرية في كل حلقة: من جمع البيانات، ومن صمم النموذج، ومن حدد درجة الثقة المقبولة، ومن قرر سقف الضحايا المدنيين، ومن أجاز السلاح، ومن راجع النتيجة بعد الضربة. الخطر ليس أن الآلة اتخذت القرار وحدها، بل أن تعدد المراحل قد يوزع المسؤولية حتى يبدو أنه لا يوجد شخص واحد يمكن مساءلته. وهنا يلتقي الابتكار العسكري مع ثقافة الإفلات من العقاب التي يناقشها المقال.

على المستوى السياسي، يرى بلومفيلد أن الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة تغير وأن الدفاع غير المشروط عن إسرائيل أصبح أثقل كلفة على قوى يسارية وليبرالية. الوقائع التي تدعم الاتجاه تشمل احتجاجات واسعة، ونقاشات حول السلاح والعقوبات والاستيطان، وتشدد لغة بعض المسؤولين الغربيين. لكن تحويل ذلك إلى سياسة ثابتة ليس مضمونا؛ فالمواقف الانتخابية قد تتبدل، والمؤسسات الأمنية والتحالفات العسكرية أبطأ من المزاج الشعبي.

اختبار هذا التحول ليس الخطاب بل الأداة. هل تربط الحكومات تصدير السلاح بالامتثال للقانون الإنساني؟ هل تفرض كلفة على توسيع المستوطنات وعنف المستوطنين؟ هل تدعم التحقيقات الدولية عندما تطال حليفا كما تدعمها عندما تطال خصما؟ وهل تتيح حماية عملية للصحفيين والعاملين الإنسانيين؟ من دون إجابات قابلة للقياس، يبقى الاعتراف بالازدواجية خطوة أخلاقية لا سياسة رادعة.

يوضح تعثر وقف النار لماذا لا تكفي اللغة. كان الاتفاق المؤلف من عشرين بندا يفترض أن ينقل غزة إلى إدارة فلسطينية جديدة، وينشئ قوة استقرار دولية، وينهي حكم حماس المسلح، ويقود إلى انسحاب إسرائيلي وإعمار. بعد عام، تقول أسوشيتد برس إن اللجنة الإدارية لم تدخل القطاع، والقوة الدولية لم تتشكل، وحماس بقيت القوة المهيمنة في الجزء غير الخاضع لإسرائيل، بينما وسعت إسرائيل سيطرتها ولم يبدأ إعمار يذكر.

العقدة ليست تقنية فقط. تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس كاملا قبل أي انسحاب، بينما تربط حماس نزع السلاح بانسحاب متدرج ووقف الضربات. كانت وظيفة الوساطة أن تحول هذه المعضلة إلى خطوات متبادلة وضمانات وآلية تحقق. لكن الخلاف بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب حول ترتيب التنفيذ، والانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، أعادا الخطة إلى حسابات السياسة الداخلية.

هذه نقطة مركزية في معنى الإفلات من العقاب. عندما يستطيع طرف أقوى تعطيل تسلسل اتفق عليه من دون خسارة الدعم أو التعرض لكلفة فورية، تصبح الاتفاقات بيانات نيات لا عقودا سياسية. وعندما يستطيع الطرف الأضعف إبقاء سلطة مسلحة داخل مجتمع مدمر من دون تفويض شعبي جديد، يتحول الفراغ أيضا إلى أداة بقاء. يدفع المدنيون ثمن عجز الوسطاء عن فرض التزام متزامن على الجانبين.

لا يحل هذا التحليل الخلاف الأخلاقي حول 7 أكتوبر ولا يبرر حماس. قتل المدنيين وأخذ المحتجزين جريمة لا تصبح أقل جسامة بسبب ما أعقبها. وفي المقابل لا يمنح الهجوم إسرائيل تفويضا مفتوحا لاستخدام أي مقدار من القوة أو إبقاء مليوني فلسطيني في فضاء مدمّر ومقيد إلى أجل غير محدد. القانون، إذا كان عاما، يجب أن يحمي المدني من هوية الفاعل ومن هوية الضحية معا.

التقدير التحريري أن غزة غيرت العالم في ثلاثة مستويات. أولا، جعلت ازدواجية تطبيق القانون موضوعا شعبيا لا نقاشا دبلوماسيا متخصصا. ثانيا، ربطت حربا محلية بسلاسل أمن وطاقة وملاحة تمتد عبر الإقليم. ثالثا، قدمت نموذجا قد يقلده آخرون: قوة نارية عالية، رقابة رقمية، تفسير واسع للدفاع عن النفس، وإدارة طويلة للأزمة بدلا من حل سياسي.

لكن الاتجاه ليس قدرا. يمكن عكسه إذا تحولت المساءلة إلى بنية: نشر قواعد الاشتباك ونتائج التحقيقات، حماية وصول الصحافة، ربط المساعدة العسكرية بمعايير معلنة، دعم القضاء الدولي، إنشاء آلية مراقبة لوقف النار، ووضع جدول متبادل للانسحاب ونزع السلاح والإدارة والإعمار. لا يضمن أي إجراء السلام وحده، لكن جمعها يعيد للقواعد معنى يتجاوز البيان.

الخلاصة أن مقال ستيف بلومفيلد لا يطلب من القارئ أن يرى غزة بوصفها مركز العالم، بل مرآة لعالم صار فيه امتلاك القوة بديلا من القدرة على الإقناع والالتزام. الوقائع تثبت أن الهدنة لم تنه القتل ولا السيطرة ولا الانتظار، أما رأي الكاتب فهو أن قبول ذلك طويلا جعل الاستثناء قاعدة. السؤال بعد ثلاث سنوات لم يعد فقط متى تنتهي حرب غزة، بل أي نظام دولي سيبقى إذا انتهت من دون عدالة ومحاسبة وحقوق متساوية.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في الغارديان؛ تحقق عبر أسوشيتد برس ورويترز باسم ستيف بلومفيلد بتاريخ 10 أكتوبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

رويترز؛ تحقق عبر تغطية صندوق النقد والأونكتادحين تدفع الحرب فوائدها: كيف تنتقل صدمة الشرق الأوسط من هرمز إلى موازنات الدول الفقيرة؟قراءة التقرير ←رويترز والغارديان؛ تحقق عبر أسوشيتد برسحين صمت الإنذار ووصل الصاروخ: ماذا كشف استهداف مطار الرياض عن حدود القوة السعودية؟قراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية