تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
لا حرب ولا سلام: كيف أصبحت الحياة المؤقتة في غزة نظاما دائما؟
تقرير موسع يقرأ الشهادات اليومية من غزة بوصفها دليلا على انتقال الأزمة من القصف الشامل إلى إدارة بقاء طويلة: خيام ومياه منقولة وأمراض وعمل متقطع وحدود عسكرية تقطع الناس عن بيوتهم، مع فصل الوقائع الإنسانية عن التقدير السياسي.
لا تبدأ قصة غزة التي نشرتها الغارديان في 7 أكتوبر 2026 من اجتماع سياسي أو رقم ضخم، بل من ستة كراس بلاستيكية يحتفظ بها أحمد اشتيوي داخل خيمة قرب دير البلح. كان الرجل، وهو سائق وميكانيكي في الثالثة والأربعين، يعيش مع ابنتيه في بيت لاهيا قبل أن يصبح البيت بعيدا ومدمرا ولا يمكن الوصول إليه. بقيت الكراسي لأن الجلوس عليها يعيد إليه صورة الحديقة والإفطار والشاي؛ أي حياة كانت عادية وصارت الآن ذاكرة مادية قابلة للحمل.
اختيار سهام تنتش وجيسون بيرك لهذا المدخل ليس زخرفة إنسانية. إنه يشرح كيف تتحول الملكية بعد التهجير من بيت وأرض وعمل إلى أشياء صغيرة تحفظ علاقة الشخص بما كانه. حقيبة مدرسية لفتاة في الخامسة عشرة، ومفتاح بيت تحتفظ به أم، وأدوات تجميل تعيد شابة إلى مهنتها لساعات قليلة. هذه الأشياء لا تعوض الخسارة، لكنها تمنح أصحابها استمرارية نفسية في مكان صمم كل شيء فيه للحياة المؤقتة بينما يطول الانتظار.
الوقائع التي تحيط بالشهادات ثقيلة. مرّت ثلاث سنوات على هجوم حماس في جنوب إسرائيل الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأخذ 251 محتجزا، وأعقبته حرب إسرائيلية قتلت أكثر من 74 ألف فلسطيني بحسب سلطات غزة ودفعت معظم السكان إلى النزوح. ومنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 لم تعد العمليات إلى حجمها السابق، لكن أوتشا وثقت 1431 شهيدا و5026 مصابا حتى 30 سبتمبر 2026، فيما استمرت الغارات وإطلاق النار قرب الخطوط العسكرية.
لهذا تبدو عبارة «لا حرب ولا سلام» وصفا ماديا لا مجازا. القصف الشامل تراجع، لكن الناس لا يستطيعون افتراض أن المكان آمن أو أن العودة ممكنة. تسيطر إسرائيل أو تفرض قيودا شديدة على نحو ثلثي مساحة القطاع، بحسب الأمم المتحدة ورويترز، بينما يتركز معظم السكان في الثلث الساحلي الباقي. ليست الهدنة هنا غيابا للحرب فقط؛ إنها خريطة تضغط السكان في مساحة أصغر وتبقي بيوتا ومزارع وأحياء كاملة خارج الوصول.
يظهر ذلك في قصة صالح كيلاني، السبعيني الذي كان يزرع الزيتون في بيت لاهيا ويعصر عشرات العبوات في الموسم. لم يفقد مصدر دخل وحسب؛ فقد القدرة على الوصول إلى الأرض وعلى تكرار طقس سنوي يربطه بالمكان والأسرة. عندما تصبح زيارة البيت أو المزرعة احتمالا للموت، يتحول وقف النار إلى تجميد للتهجير بدلا من إنهائه. يبقى الشخص حيا في الخيمة، لكن شبكة حياته الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية تظل وراء خط لا يملك التحكم فيه.
تقدم شهادة ليان الجبور صورة أخرى للانقطاع. تحاول الفتاة ترتيب المأوى المؤقت في المواصي كما كانت ترتب غرفتها وسريرها، ولا تملك من مدرستها السابقة إلا حقيبتها. الفعل اليومي البسيط يحفظ إحساسا بالنظام، لكنه يكشف أيضا أن التعليم لم يعد مؤسسة منتظمة بل ذكرى وروتينا منزليا. ومع استخدام مدارس قابلة للإصلاح لإيواء النازحين، كما يقول تقرير الأمم المتحدة، يصبح نقص المأوى عائقا مباشرا أمام عودة التعليم، لا ملفا منفصلا عنه.
أما إسراء أبو طيبة، البالغة ستة وعشرين عاما، فتختصر العلاقة بين العمل والكرامة. فقدت أسرتها اثنين من أبنائها، وأصيب اثنان آخران، ويقبع خامس في الاحتجاز الإسرائيلي، بينما انتقلت هي من بيت فيه ماء وحديقة وغسالة إلى خيمة تعتمد على صهريج ومطبخ جماعي. حين تقص شعر فتيات المخيم أو تضع لهن الزينة في زفاف، لا تستعيد دخلا كاملا، لكنها تستعيد دورا اجتماعيا ومعرفة مهنية ومساحة فرح قصيرة.
هذه الشهادات لا تعني أن الصمود يحل محل الحقوق أو الخدمات. تحويل كل فعل نجاة إلى قصة إلهام قد يخفي البنية التي صنعت الحاجة إليه. قدرة أسرة على حمل الماء لا تجعل نظام المياه كافيا، وزفاف في خيمة لا يجعل المخيم منزلا، وحصة تعليمية متقطعة لا تعني أن المدرسة عادت. القيمة الحقيقية لهذه الأفعال أنها تثبت أن الفلسطينيين يحافظون على ذواتهم رغم الظروف، لا أن الظروف أصبحت مقبولة.
وتوضح بيانات أوتشا ما تعنيه تلك الظروف على نطاق القطاع. نحو 74 في المئة من السكان يعتمدون على مياه الشاحنات، وانخفض إنتاج محطتي التحلية في الجنوب بسبب نقص قطع الغيار والمعدات، ما يهدد إمدادات قرابة نصف مليون شخص في دير البلح وخان يونس. تعمل بعض خدمات جمع النفايات بعربات تجرها الحمير وشاحنات أممية لأن الآليات متوقفة. هذه ليست صورا من اقتصاد فقير بطبيعته، بل نتيجة تدمير بنية أساسية وقيود على الوصول والوقود والزيوت وقطع الصيانة.
الصحة العامة هي المكان الذي تلتقي فيه كل الأزمات. قال منسق الأمم المتحدة الإنساني إن الأمراض المعدية واسعة الانتشار بسبب اكتظاظ مواقع النزوح وضعف المياه والصرف الصحي والنظافة. وتذكر أوتشا أن الأمراض السارية شكلت 19 في المئة من أكثر من 280 ألف استشارة صحية خلال أسبوع واحد أواخر سبتمبر؛ تصدرتها التهابات الجهاز التنفسي، ثم أمراض الجلد والإسهال المائي الحاد. الرقم لا يصف كل المرضى، لكنه يكشف نمطا مرتبطا مباشرة ببيئة السكن.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل جزئيا ولا يعمل أي منها بكامل طاقته، وأن نحو 1.7 مليون شخص ما زالوا نازحين في ظروف مكتظة تفتقر إلى المأوى والماء والصرف الصحي الكافي. ارتفعت حالات الإسهال المائي الحاد، بينما تعيق القيود على المختبرات وأدوات التشخيص معرفة الحجم الحقيقي لتفشي الأمراض. معنى ذلك أن النظام لا يعالج المرض فحسب، بل يعمل من دون قدرة كافية على قياسه والتنبؤ بمساره.
يزيد الشتاء الخطر. رصدت أوتشا نحو 279 ألف شخص في مواقع نزوح معرضة للفيضانات أو مبان غير آمنة، وحددت مئات المواقع التي تحتاج إلى تصريف للمياه ورفع للأرض وتدعيم للمآوي. لكن إدخال المواد والمعدات والوصول إلى الأرض والتمويل تعرقل الاستعداد. يمكن لعاصفة مطرية في هذا السياق أن تحول الخيمة من مأوى هش إلى نقطة تعرض للبرد والمياه الملوثة والمرض، وأن تجعل الطريق إلى العيادة أو نقطة التوزيع أكثر صعوبة.
تقول السلطات الإسرائيلية إن أكثر من ستمئة شاحنة تدخل القطاع يوميا وإن الإمدادات كافية. في المقابل، تفصل منظمات الأمم المتحدة بين دخول الغذاء وبين توافر المواد المتخصصة التي تبقي المنظومات عاملة: زيت المحركات، قطع الغيار، المضخات، معدات المختبر، مواد البناء والمأوى. يمكن أن يتحسن حجم السلع التجارية والغذائية بينما تتراجع التحلية أو تتوقف مركبة نفايات أو مولد مستشفى بسبب قطعة واحدة محظورة أو غير متاحة.
تضيف أزمة التمويل طبقة لا ترتبط بالمعابر وحدها. حذرت أوتشا من أن نقص التمويل سيخفض الوجبات الساخنة والطرود الغذائية منذ أكتوبر، وأن نداء 2026 لم يحصل إلا على نحو 40 في المئة من حاجته. لذلك لا تكفي مطالبة إسرائيل بفتح الوصول إذا لم يوفر المانحون تمويلا منتظما، كما لا يكفي التمويل إذا ظلت المواد والأراضي والخبرات خارج المتناول. الإغاثة تحتاج إلى المال والمسار والسلطة التشغيلية معا.
سياسيا، عادت حماس إلى إدارة بدائية في الجزء غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، مع تعليم ورعاية صحية وشرطة محدودة تقول الغارديان إنها تعتمد أحيانا عقوبات تعسفية. وفي المقابل لم تدخل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المقترحة القطاع، ولم تنتشر قوة الاستقرار الدولية، ولم يتقدم نزع السلاح أو الانسحاب. هذا الفراغ يفسر استمرار المؤقت: لا سلطة فلسطينية جديدة تملك الموارد والقبول، ولا انسحاب يعيد المجال، ولا تسوية تقطع الطريق على حكم الأمر الواقع.
من زاوية التقدير، أخطر ما في مرحلة «لا حرب ولا سلام» أنها قد تتحول إلى نظام قابل للإدارة دوليا. تدخل شاحنات تكفي لمنع المجاعة الأشد، وتستمر خيام ومطابخ جماعية وعيادات جزئية، بينما يبقى معظم الناس بعيدين عن أراضيهم ولا يبدأ إعمار واسع. ينخفض مستوى العنف بما يبعد الأزمة عن العناوين اليومية، لكنه لا يعيد الحقوق أو الاقتصاد أو القدرة على التخطيط للمستقبل. هكذا يصبح البقاء بديلا من الحل.
يمكن قياس الخروج من هذه المرحلة بمؤشرات عملية: انخفاض الضحايا إلى الصفر واستمرار ذلك، تثبيت خطوط واضحة ثم تقليص مساحة السيطرة العسكرية، عودة طوعية وآمنة إلى الشمال والشرق، تشغيل الكهرباء والتحلية والصرف الصحي، فتح مسارات المرضى إلى مستشفيات الضفة والقدس، استعادة المدارس، وبدء برنامج إعمار يحمي الملكية. من دون حركة متزامنة في هذه المؤشرات، يظل وصف الهدنة أدق من وصف السلام.
كما يجب أن يعاد تعريف النجاح الإنساني. لا يكفي عدّ الشاحنات أو الوجبات؛ ينبغي قياس الوقت الذي تقضيه النساء والأطفال في جلب الماء، وعدد الأيام التي يعمل فيها مولد المستشفى، ونسبة المدارس القادرة على التدريس، وعدد الأسر التي انتقلت من الخيمة إلى مأوى آمن، وقدرة العامل على كسب دخل لا مساعدات فقط. هذه المؤشرات تربط الكرامة بالخدمة والحق، وتمنع الأرقام الكبيرة من إخفاء التجربة اليومية.
الخلاصة أن تقرير الغارديان لا يقدم غزة كمساحة يأس خالص ولا كقصة صمود مريحة. إنه يبين كيف يقاوم الناس محو حياتهم السابقة بالكراسي والحقائب والمفاتيح والمهن، بينما تثبت بيانات الأمم المتحدة أن المرض والماء والمأوى والعمل ليست أزمات منفصلة. بعد عام على وقف النار، صار التحدي منع المؤقت من أن يصبح دائما: فالسلام لا يعني انخفاض القصف فقط، بل قدرة الإنسان على العودة إلى بيته وأرضه ومدرسته وعمله، وعلى أن يعيش من دون أن تكون كل حركة يومية عملية نجاة.