تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
ليست كلمة واحدة: كيف تحولت الصهيونية إلى معركة على الذاكرة والحقوق؟
تقرير موسع يفكك تعدد معاني الصهيونية وحجج مؤيديها ومنتقديها، ويضع عبارة «الصهيونية عنصرية» بين تجربة اليهود مع الاضطهاد وتجربة الفلسطينيين مع النكبة والاحتلال، مع شرح دقيق لما تقوله قرارات الأمم المتحدة والقانون البريطاني وما لا تقوله.
حين تتحول كلمة إلى اقتراح حزبي، لا يبقى الخلاف لغويا. نشر بيتر بومونت في الغارديان يوم 3 أكتوبر 2026 شرحا لمفهوم الصهيونية بالتزامن مع استعداد حزب الخضر البريطاني لمناقشة اقتراح يساويها بالعنصرية. قيمة المادة أنها لا تفترض أن المصطلح يحمل معنى واحدا لدى الجميع؛ فهو عند مؤيديه مشروع تحرر قومي وملاذ من الاضطهاد، وعند كثير من الفلسطينيين ومنتقدي إسرائيل اسم لمسار انتهى بالنكبة والاقتلاع والاحتلال ونظام حقوق غير متكافئ.
الواقعة الآنية محددة: زعيم الخضر زاك بولانسكي وصف نفسه بأنه مناهض للصهيونية، وكان مؤتمر الحزب يستعد لمناقشة اقتراح بعنوان سياسي حاد. لا يعني ذلك أن الاقتراح أصبح قانونا بريطانيا، ولا أنه يمثل موقف كل أعضاء الحزب، ولا أن عنوانه حسم مسألة تاريخية. إنه سياق سياسي أعاد فتح خلاف قديم، واستخدمه بومونت لطرح سؤال أكثر فائدة من التصويت نفسه: أي معنى للصهيونية يناقشه كل طرف؟
ظهرت الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر ضمن تيارات متعددة تبحث مستقبل اليهود وهويتهم الجماعية في عالم شهد اضطهادا ومعاداة للسامية. ارتبط الاسم على نحو خاص بالمشروع السياسي لتيودور هرتسل لإقامة دولة تحقق تقرير المصير اليهودي. لكن الغارديان تذكر أن تاريخ الفكرة لم يكن كتلة واحدة؛ فقد وجدت صيغ قومية وثقافية واشتراكية ودينية وتصحيحية، وظهرت أيضا أفكار ثنائية القومية مثل طرح مارتن بوبر لدولة عربية يهودية مشتركة قبل قيام إسرائيل.
هذه التعددية مهمة لأنها تمنع خطأين متعاكسين. الأول اختزال كل يهودي أو إسرائيلي في برنامج استيطاني واحد، والثاني التعامل مع الصهيونية كفكرة إنسانية مجردة لا يجوز تقييم نتائجها على شعب كان موجودا في فلسطين. يمكن لفكرة أن تنشأ استجابة لاضطهاد حقيقي ثم تنتج، عند تطبيقها في أرض مأهولة، ظلما حقيقيا لجماعة أخرى. الاعتراف بالخبرتين لا يلغي أيهما ولا يحول التاريخ إلى تعادل أخلاقي آلي.
بالنسبة إلى كثير من اليهود، يوضح التقرير أن الصهيونية تعني التحرر والسيادة والملاذ الآمن وإحياء اللغة العبرية واستعادة كرامة جماعية بعد قرون من الاضطهاد، ولا سيما بعد المحرقة. هذه معان وجدانية وتاريخية لا يمكن دحضها بمجرد شعار. وهي تفسر لماذا يسمع بعض اليهود الدعوة إلى إنهاء الصهيونية بوصفها تهديدا لأمنهم الجماعي أو إنكارا لحقهم في تقرير المصير، حتى عندما يقصد المتحدث نقد الدولة أو الاحتلال لا استهداف اليهود.
أما الاعتراض الفلسطيني فيبدأ من نتيجة تاريخية مغايرة. تأسيس إسرائيل عام 1948 ارتبط بالنكبة واقتلاع جماعي واسع للفلسطينيين وفقدان الأرض والبيت وحق العودة. ثم جاءت حرب 1967 والاحتلال والاستيطان ونظامان قانونيان مختلفان في الضفة، إلى جانب التمييز الذي يقول منتقدون إن الفلسطينيين داخل إسرائيل يواجهونه. لذلك لا تظهر الصهيونية في الذاكرة الفلسطينية كملاذ لشعب مضطهد فقط، بل كمشروع تحققت سيادته عبر إزاحة سيادة السكان الأصليين وحقوقهم.
يعرض بومونت ثلاثة محاور في نقد الصهيونية: وصفها مشروعا استعماريا، وربطها بنظام فصل وحقوق غير متساوية في الأراضي المحتلة، واتهام الدولة بتمييز مؤسسي ضد الفلسطينيين. هذه حجج سياسية وقانونية وفكرية يتبناها طيف من الفلسطينيين واليسار وبعض اليهود المناهضين للصهيونية. لا تحولها سابا إلى حكم واحد على كل مرحلة وكل تيار، لكنها تضعها في سياق الوقائع التي صنعتها: التهجير والاستيطان والسيطرة العسكرية وتفاوت المواطنة والحقوق.
في المقابل، يستند الدفاع الصهيوني إلى الوجود اليهودي التاريخي والديني في فلسطين وإلى حق اليهود، مثل غيرهم، في تقرير المصير. ويرى مؤيدون أن وصف المشروع كله بالاستعمار يتجاهل علاقة اليهود القديمة بالأرض، وأن نزع الشرعية عن دولة يهودية وحدها بين دول قومية كثيرة قد يخفي معيارا مزدوجا. قوة هذه الحجة تتعلق بحق الجماعة في الأمان والسيادة؛ وضعفها يظهر عندما تستخدم لتبرير امتياز دائم أو إنكار تقرير المصير الفلسطيني.
هنا تقع عقدة النقاش: حق تقرير المصير لا يمنح جماعة حق إلغاء جماعة أخرى. إذا عُرفت الصهيونية على أنها حق اليهود في الأمان والثقافة والمشاركة السياسية، يمكن مناقشتها ضمن مبدأ حقوق متساوية للجميع. أما إذا عُرفت بأنها حق الدولة في الحفاظ على تفوق قومي أو ديموغرافي مهما كانت كلفة ذلك على الفلسطينيين، يصبح النقد متعلقا ببنية الامتياز لا بالهوية اليهودية. الخلاف الحقيقي إذن ليس على الاسم وحده بل على مضمون السلطة والحقوق.
عبارة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» تكشف مشكلة السردية المختصرة. يناقش المؤرخون مدى انتشارها بين الصهاينة الأوائل، لكن استخدامها لاحقا صار رمزا لمحو المجتمع الفلسطيني الذي كان قائما في فلسطين الانتدابية. المقاربة الدقيقة لا تحتاج إلى إثبات أن كل مؤسس ردد العبارة؛ يكفي فحص السياسات والخطابات التي تعاملت مع الوجود الفلسطيني كعقبة سكانية أو أمنية بدلا من مجتمع يمتلك حقوقا سياسية ووطنية مساوية.
أما عبارة «الصهيونية عنصرية» فلها تاريخ أممي واضح. أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3379 في 10 نوفمبر 1975، واعتبرت فيه الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. جاء التصويت في سياق الحرب الباردة وتحالف الدول العربية والاتحاد السوفيتي وكتل من الجنوب العالمي. القرار وثيقة سياسية صادرة عن الجمعية العامة، لا حكما قضائيا يفصل بصورة نهائية في طبيعة كل تيارات الصهيونية أو مسؤولية كل فرد يتبناها.
وفي 16 ديسمبر 1991، أصدرت الجمعية العامة القرار 46/86 وألغت ذلك التحديد. يؤكد السجل الأممي الرسمي الإلغاء صراحة. هذا أيضا قرار سياسي لا برهان أكاديمي على أن العنصرية اختفت من السياسات الإسرائيلية أو أن النقد السابق أصبح باطلا. قراءة القرارين معا تظهر كيف تتغير موازين التصويت واللغة الدولية؛ ولا يجوز الاستشهاد بأحدهما وحده كما لو أن الأمم المتحدة قدمت تعريفا ثابتا خارج السياسة والتاريخ.
القانون البريطاني يضيف طبقة أخرى غالبا ما يساء فهمها. قضت محكمة عمل في قضية الأستاذ السابق بجامعة بريستول ديفيد ميلر بأن اعتقاده المناهض للصهيونية يمكن أن يعد اعتقادا فلسفيا محميا بموجب قانون المساواة لعام 2010، وثبت الحكم لاحقا في الاستئناف وفق الغارديان. معنى الحماية أن صاحب الاعتقاد لا يجوز أن يتعرض للتمييز لمجرد اعتقاده، لا أن المحكمة صدقت كل أقواله تاريخيا أو منحت كل طريقة للتعبير عنها حصانة.
هذا الفصل ضروري لأن حرية الاعتقاد ليست حرية في المضايقة أو التحريض أو تعميم المؤامرة على اليهود. تشير الغارديان إلى أن ميلر نفسه أدلى بتصريحات واسعة عن نفوذ الصهاينة في مؤسسات بريطانية عديدة، وهي لغة أثارت جدلا شديدا. يمكن للقانون أن يحمي الاعتقاد المناهض للصهيونية، بينما تبقى عبارة بعينها قابلة للنقد أو المحاسبة إذا استهدفت أشخاصا على أساس هويتهم أو حولت السياسة إلى سردية تآمرية جماعية.
وفي الاتجاه المعاكس، لا يصح جعل معاداة الصهيونية مرادفا آليا لمعاداة السامية. يستطيع الفلسطيني رفض الأيديولوجيا التي يربطها بفقدان وطنه من دون أن يعادي اليهود، ويستطيع يهودي معارض للصهيونية أن ينطلق من تصور ديني أو إنساني أو ثنائي القومية. الحكم يحتاج إلى مضمون القول: هل ينتقد دولة وسياسة وبنية حقوق، أم ينسب صفات شريرة إلى اليهود جميعا ويستدعي صورا تاريخية عن السيطرة والمؤامرة؟
كما لا يصح استخدام تهمة معاداة السامية لمنع النقاش في النكبة والاحتلال والاستيطان والفصل القانوني. حماية اليهود من الكراهية واجب لا يتعارض مع حماية الفلسطينيين من الإلغاء. عندما يصبح مجرد ذكر الاستعمار أو العودة أو الدولة الواحدة ممنوعا، تتحول مكافحة العنصرية إلى أداة لإغلاق المجال السياسي. وعندما يتحول كل يهودي إلى ممثل لإسرائيل، يعاد إنتاج العنصرية نفسها التي يفترض أن ينتقدها الخطاب.
بعد 1948 انتقل الخلاف داخل إسرائيل من سؤال إقامة الدولة إلى سؤال طبيعتها وحدودها. تميز الغارديان بين تيارات ليبرالية وتيارات يمينية تصحيحية يمثل الليكود وريثها السياسي، وصارت قضايا الاحتلال والاستيطان وتعريف الدولة اليهودية في قلب الصراع. هذه الفروق لا تعني أن الصهيونية الليبرالية حلت المعضلة الفلسطينية، لكنها توضح أن مناقشة برنامج حكومة نتنياهو ليست مطابقة لمناقشة كل أشكال الهوية القومية اليهودية.
حرب غزة زادت حدة الكلمات لأنها جعلت النتائج المادية حاضرة: قتل ودمار وتهجير وخوف إسرائيلي متجدد بعد هجوم 7 أكتوبر. في هذا المناخ، يبحث كل طرف عن تعريف يثبت براءته أو إدانة الآخر. لكن الشعار الذي يختصر الصهيونية كلها في العنصرية قد يخسر القدرة على تمييز اليهودي القلق على الأمان من السياسي الداعي إلى التهجير، كما أن الشعار الذي يختصر كل مناهض للصهيونية في معاد للسامية يمحو تجربة الفلسطيني وحقه في وصف ما جرى له.
التقدير التحريري أن المعيار الأجدى ليس إجبار الناس على تعريف واحد، بل اختبار كل تعريف بنتائجه. هل يسمح بحق متساو في الحياة والأمن والحركة والملكية والمشاركة السياسية؟ هل يعترف بذاكرة النكبة والمحرقة من دون تسخير إحداهما لمحو الأخرى؟ هل يرفض الاستيطان والتهجير والعقاب الجماعي؟ وهل يضمن حق اليهود والفلسطينيين في تقرير المصير من دون امتياز دائم لجماعة على أخرى؟ عند هذه الأسئلة يتحول الجدل من حرب تسميات إلى مساءلة قابلة للقياس.
للصحافة مسؤولية خاصة. ينبغي نسبة الأوصاف إلى أصحابها، والتمييز بين اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل وحكومتها والمستوطنين، وعدم استخدام مصطلح واحد بديلا من خمسة فاعلين مختلفين. كما يجب شرح أن وصفا قانونيا أو قرارا أمميا له نطاق وتاريخ، وأن الاعتقاد المحمي ليس حقيقة قضائية، وأن اتهام سياسة بالعنصرية يختلف عن إهانة شعب أو دين. الدقة هنا ليست حيادا زائفا؛ إنها شرط لمنع الدعاية من ابتلاع الوقائع.
الخلاصة أن تقرير بيتر بومونت لا يحسم هل الصهيونية عنصرية، بل يشرح لماذا لا يمكن حسم السؤال من دون تحديد أي صهيونية وأي ممارسة وأي معيار للحقوق. بالنسبة إلى اليهود قد تحمل الكلمة ذاكرة نجاة، وبالنسبة إلى الفلسطينيين قد تحمل ذاكرة اقتلاع، ويمكن للمعنيين أن يكونا صادقين في التجربة ومتعارضين في السياسة. الطريق إلى نقاش أقل تضليلا يبدأ بالاعتراف بهذا التعارض، ثم يحاكم الدولة والحركات والبرامج بما تفعله بالإنسان لا بما تدعيه الكلمة لنفسها.