SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

حين يُملأ مسبح وتجف الحقول: كيف يتحول «التراث» والماء إلى أداة سيطرة في الأغوار؟

تقرير موسع في تحويل مياه عين تخدم مزارعي فصايل إلى بركة سياحية سميت باسم هيرودس، وفي التقاء الاستيلاء الميداني بتمويل حكومي لمواقع «التراث» ضمن صراع أوسع على أرض الأغوار ومواردها.

في الأغوار لا يحتاج تغيير الجغرافيا دائما إلى جرافة أو قرار مصادرة معلن. أحيانا يبدأ بأنبوب يحرف ماء عين عن أرض فلسطينية، ثم تمتلئ به بركة حجرية، ويمنحها مستوطنون اسما توراتيا أو ملكيا، ويصل وزير وعضو كنيست للسباحة فيها، وبعد ذلك تدخل الدولة بميزانية للتأهيل ومسح أثري. التحقيق الذي نشرته أسوشيتد برس في 26 سبتمبر 2026 يتتبع هذه السلسلة عند فصايل والعوجا، ويكشف كيف يمكن لحاجة يومية مثل الماء أن تتحول إلى بوابة لإعادة تعريف الأرض وملكيتها ومن يحق له الانتفاع بها.

الواقعة المركزية حدثت قرب فصايل في غور الأردن. بحسب تحقيق ميلاني ليدمان وجلال بواطل، حُولت خلال الصيف مياه نبع كانت تصل إلى القرية وأراضيها الزراعية نحو بركة قديمة قريبة، ثم قدمت البركة باعتبارها موقعا سياحيا جديدا باسم «بركة هيرودس». لا تعرض سابا تسمية البركة دليلا أثريا؛ فالتحقيق نفسه يقول إن الموقع لم يخضع بعد لدراسة أثرية تحدد تاريخ بنائه، وإن الربط بهيرودس يستند إلى وجود آثار أخرى من عصره في المنطقة لا إلى نتيجة علمية خاصة بهذه البركة.

هناك نقطة تحقق مهمة في رد الجهة الإسرائيلية. فقد أقرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي، وهي الجهاز العسكري المسؤول عن الشؤون المدنية، للوكالة بأن تحويل المياه جرى «من دون تصريح» وقالت إنها ستحقق. هذا الإقرار يثبت عدم قانونية التحويل إداريا وفق الرواية الرسمية، لكنه لا يخبرنا بعد من نفذه ولا إن كانت المياه أعيدت ولا إن فُتحت مساءلة جنائية. لذلك تفصل القراءة بين الاعتراف بالمخالفة وبين افتراض أن الدولة أمرت بها منذ البداية.

في المقابل، لم يبق الفعل المخالف خارج السياسة الرسمية. وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو أشاد بالمجموعة التي حولت الماء، وقال لأسوشيتد برس إن نحو مليون دولار خُصص لتأهيل الموقع، ضمن ما لا يقل عن 166 مليون دولار لأعمال تنقيب وبنية تحتية في أكثر من مئة موقع يقول إنها مرتبطة بالتراث اليهودي في الضفة. الرقم منسوب مباشرة إلى الوزير، ولا يعني أن كل المبلغ صُرف أو أن كل مشروع يحمل الوضع القانوني نفسه، لكنه يوضح كيف ينتقل الفعل من مبادرة استيطانية غير مصرح بها إلى فرصة تتبناها وزارة وتمنحها موارد.

هذه المفارقة هي قلب التقرير: جهة عسكرية تقول إن تحويل الماء غير مرخص، ووزير حكومي يمدح من قام به ويعد بإعادة تشكيل المكان. قد تجري الإدارة المدنية مسحا وتصحح مسار الماء لاحقا، لكن الرسالة الميدانية وصلت بالفعل. يستطيع مستوطنون فرض استعمال جديد للموقع، ثم يدور النقاش الرسمي حول تطويره بدلا من إعادة حق الانتفاع فورا إلى المزارعين المتضررين. بذلك يصبح خرق القاعدة مرحلة تجريبية تسبق شرعنة الواقع لا حادثا ينتهي بإزالته.

الضرر ليس رمزيا. قال المزارع سعد نمر للوكالة إن قطع المياه دمر حقوله، وإن عائلته تملك وثائق تثبت ملكية الأرض. وذكر درور إيتكس من منظمة «كيرم نافوت»، التي تراقب الاستيطان، أن بحثه وجد أن الأرض مملوكة ملكية خاصة. هذان ادعاءان من صاحب مصلحة ومنظمة رقابية، ولا تحسمهما سابا بديلا من سجل عقاري أو حكم قضائي؛ لكنهما يتوافقان مع واقعة موثقة أخرى هي أن مياها كانت مخصصة للزراعة حُولت بالفعل إلى استعمال ترفيهي.

تتضح الدلالة أكثر عند العوجا. يصف التحقيق مزارعين كانوا يزرعون البطيخ والباذنجان والموز والطماطم، ثم عجزوا عن الزراعة بعد سيطرة مستوطنين على الينابيع ومضايقة السكان وتحويل الماء. يقول رئيس البلدية إن منطقة الشلال صارت أقرب إلى نطاق عسكري، بما أضر بالسياحة والزراعة معا. هذه شهادات محلية لا قياسا مستقلا لكمية التدفق أو مساحة الأرض البور، لكنها ترسم آلية يمكن التحقق من نتائجها: حين يُحرم المزارع من مصدر الماء، تتراجع الزراعة ولو بقي سند الملكية في يده.

يدعم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية هذه الصورة على نطاق أوسع. ففي تقريره الصادر في يوليو، أحصى نحو 160 منشأة للمياه والصرف الصحي تضررت أو دمرت أو صودرت في اعتداءات مستوطنين منذ بداية 2026، وكانت خزانات المياه أكثر من نصفها، تلتها الشبكات والوصلات المنزلية وبنى أخرى. وسجل أن الهجمات الحديثة تستهدف أحيانا بنية مشتركة تخدم تجمعا كاملا، لا خزان أسرة منفردة. الرقم أممي موثق حتى فترة التقرير، وليس حصيلة نهائية لكل العام.

كما نشر المكتب في 23 سبتمبر تحديثا يغطي أثر اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول من يناير 2023 حتى أغسطس 2026. أهمية المصدر لا تكمن في إسناد كل تفصيل في قصة فصايل، بل في وضعها داخل نمط أوسع من الإصابات والأضرار والنزوح. عندما تتكرر السيطرة على الخزانات والينابيع والطرق الزراعية في تجمعات عديدة، يصعب تفسير كل حادثة بوصفها نزاع جيرة منفصلا عن إعادة توزيع القدرة على البقاء في المكان.

حجة الجانب الإسرائيلي تقوم على مستويين يجب عرضهما بوضوح. الأول أن غور الأردن منطقة تراها إسرائيل ضرورية لأمن حدودها الشرقية، وأن كثيرا من المواقع يحمل طبقات تاريخية يهودية ومسيحية ورومانية تستحق الحماية والتنقيب. والثاني أن الدولة تقول إن اعتداءات المستوطنين ينفذها عدد محدود لا يمثل الجمهور الاستيطاني كله؛ وقد وصف بنيامين نتنياهو المعتدين بأنهم حفنة من المشاغبين. حماية الآثار والتحقيق في العنف وظيفتان مشروعتان في ذاتهما، لكن مشروعيتهما تتوقف على المساواة في تطبيق القانون وحماية السكان وحقوق الملكية والماء.

المشكلة أن مفهوم «التراث» هنا لا يضاف إلى حياة السكان بل قد يحل محلها. عندما يُختار اسم واحد لبركة لم يُحسم تاريخها، وتُبرز طبقة زمنية معينة، ويُبنى موقف سيارات أو مركز زوار أو طريق وصول تحت إدارة إسرائيلية، ينشأ مسار سياسي حتى لو كانت الحفريات مهنية. الزائر القادم من داخل إسرائيل يرى موقعا وطنيا متصلا بالدولة، بينما يرى صاحب الأرض الفلسطيني أن الماء الذي كان يروي حقله صار جزءا من وجهة سياحية لا يملك الوصول المتكافئ إليها.

لا يعني ذلك أن كل تنقيب أثري مشروع ضم، ولا أن الهوية اليهودية للمواقع مختلقة. الضفة تحمل تاريخا متعددا، والآثار اليهودية جزء أصيل منه مثل الآثار الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والمسيحية. التقدير التحريري يتعلق بطريقة الإدارة: من يختار الرواية، ومن يمنح الرخصة، ومن يحصل على عائد السياحة، ومن يستطيع الاعتراض، وهل تحمى حقوق ملاك الأرض ومستخدمي الماء قبل بدء المشروع. حين تكون الإجابات كلها بيد سلطة الاحتلال والمستوطنين، تتحول المعرفة الأثرية بسهولة إلى امتياز سياسي.

وتكشف قصة الماء أن الضم الفعلي لا يتقدم بالقانون وحده. يمكن إبقاء الوضع الرسمي للضفة من دون إعلان سيادة، مع تغيير ما يستطيع الفلسطيني فعله كل يوم. أرض بلا ماء تفقد قيمتها الزراعية، وموقع يصعب الوصول إليه ينفصل عن اقتصاد القرية، ومنطقة تدار سياحيا وأمنيا من مؤسسات إسرائيلية تدخل تدريجيا في المجال المدني للدولة. هكذا تنتقل السيطرة من خرائط المفاوضات إلى جدول الري وموسم الزراعة ومسار الزائر.

يجب أيضا عدم الخلط بين ثلاث درجات من المسؤولية. تحويل الماء غير المرخص فعل محدد يحتاج إلى تحقيق وهوية منفذ. تمويل الوزارة للموقع قرار سياسي رسمي يحتاج إلى شفافية ومراجعة قانونية. أما الاستنتاج بأن الاثنين يشكلان استراتيجية موحدة لتهجير الفلسطينيين فهو تحليل تدعمه منظمات حقوقية ومعطيات نمطية، لكنه ليس حكما قضائيا نهائيا في الواقعة. هذا الفصل لا يضعف القضية؛ بل يمنع اللغة الواسعة من إخفاء الوقائع القابلة للإثبات.

الاختبار الجدي لرد «الإدارة المدنية» بسيط وقابل للقياس: هل أعادت تدفق الماء إلى فصايل، وهل نشرت نتيجة التحقيق، وهل عوض المتضررون، وهل أوقف أي تمويل إلى أن تحسم الملكية والوضع الأثري؟ أما إبقاء المزارع بلا ماء مع وعد بدراسة المخالفة، ثم تطوير الموقع بميزانية عامة، فيعني أن النتيجة كوفئت حتى لو ظل الفعل الأصلي موضع إنكار.

دوليا، لا تكفي معارضة المستوطنات في البيانات إذا استمرت شركات السياحة والمنصات والجهات المانحة في عرض الموقع كوجهة منفصلة عن سياق الاستيلاء. المطلوب تدقيق سلسلة المنفعة: الأرض والماء، الجهة التي شيدت أو موّلت، رخصة المشروع، عائد التذاكر والخدمات، وقدرة الفلسطينيين على الوصول والاعتراض. هذه التفاصيل تحول النقاش من صراع روايات تاريخية إلى مساءلة معاصرة عن الملكية والحقوق والمال العام.

أما فلسطينيا، فتوثيق الضرر يحتاج إلى ما هو أكثر من شهادة مؤلمة: قياسات تدفق قبل التحويل وبعده، خرائط للأراضي التي فقدت الري، صور زمنية للمحاصيل، سجلات الملكية، وتقدير للخسائر الموسمية. مثل هذا الملف يفيد المحاكم والهيئات الدولية ويمنع اختزال القضية في الاسم الذي أطلق على البركة. جوهر النزاع ليس من يروي قصة هيرودس بصورة أفضل، بل من حُرم من الماء ومن قرر وكيف يعاد الحق.

الخلاصة أن تحقيق أسوشيتد برس يقدم مشهدا مكثفا لسياسة الأرض في الأغوار: مسبح ممتلئ بجوار حقل يجف، مخالفة تعترف بها سلطة عسكرية ثم يمدحها وزير، وتراث غير محسوم علميا يكتسب ميزانية قبل حسم حق المزارع. ليست كل بركة خطة ضم قائمة بذاتها، لكن اجتماع الماء والمال والاسم والحماية يصنع واقعا يصعب عكسه. وحماية التراث التي تبدأ بحرمان المجتمع الحي من مورد بقائه لا تحفظ الماضي؛ إنها تعيد توزيع المستقبل.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في أسوشيتد برس؛ تحقق عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية باسم ميلاني ليدمان وجلال بواطل بتاريخ 26 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←القناة 14 الإسرائيلية؛ سياق قانوني عبر الغارديانالقناة 14: الجيش ينقل إخلاء البؤر في الضفة إلى الشرطة ابتداء من الأسبوع المقبلقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية