تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
انتخابات على حافة النظام والضم: لماذا لا ينتهي أثر الاقتراع الإسرائيلي عند صناديق الداخل؟
تقرير موسع يفكك حجة جوناثان فريدلاند بأن انتخابات 27 أكتوبر اختبار لاستمرار الضوابط الديمقراطية داخل إسرائيل، ويشرح لماذا تمس النتيجة القضاء وحرية التعبير والوقائع الاستيطانية التي تحدد مستقبل الفلسطينيين في الضفة.
يقدم جوناثان فريدلاند انتخابات إسرائيل المقررة في 27 أكتوبر 2026 بوصفها أكثر من منافسة على رئاسة الحكومة. في مقاله المنشور في الغارديان مساء 18 سبتمبر، يجمع بين مشاهد من الحملة داخل إسرائيل وجولة في الضفة ليبني حجة مفادها أن الاقتراع يختبر بقاء القيود المؤسسية على السلطة، وفي الوقت نفسه يختبر ما إذا كان التوسع الاستيطاني سيستمر حتى يصبح قيام دولة فلسطينية متصلة مستحيلا عمليا.
يجب منذ البداية فصل الوقائع عن صياغة الكاتب. موعد الانتخابات وتفكك الكنيست وعودة مشروع تعديل ميزان السلطات وقضايا الاستيطان وقائع قابلة للتوثيق. أما وصفها بأنها قد تكون «الانتخابات الأخيرة» فهو تحذير سياسي لا توقع حرفي بإلغاء الصناديق في اليوم التالي. يقصد فريدلاند أن فوز الائتلاف نفسه قد يسمح بإضعاف القضاء والضوابط إلى حد تبقى معه الانتخابات قائمة شكلا بينما تقل قدرة المؤسسات على محاسبة الحكومة.
تؤكد أسوشيتد برس أن الكنيست حُل في يوليو وأن التصويت حدد في 27 أكتوبر، في أول انتخابات وطنية منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من حروب وأزمات داخلية. وتوضح رويترز في متوسط أحدث الاستطلاعات أن حزب «ياشار» الوسطي يتقدم بفارق محدود على الليكود، وأن الأحزاب المناهضة لنتنياهو قد تحصل نظريا على 66 مقعدا مقابل 48 لمعسكره. لكن هذا الحساب لا يساوي تلقائيا حكومة جاهزة، لأن الخلافات بين الأحزاب وموقفها من المشاركة العربية قد تمنع تحويل المقاعد إلى أغلبية ائتلافية.
هذه الفجوة بين الفوز الحسابي والقدرة على الحكم هي نقطة مركزية. النظام الإسرائيلي نسبي، ولا ينتخب رئيس الوزراء مباشرة؛ لذلك يحتاج أي معسكر إلى 61 نائبا يستطيعون الجلوس معا وقبول خطوط سياسية مشتركة. قد تملك المعارضة عددا أكبر من المقاعد وتظل عاجزة إذا رفض بعض مكوناتها الاعتماد على أحزاب عربية أو اختلفت حول الحرب والدين والقضاء. ولهذا لا تكفي قراءة الاستطلاع باعتباره سباقا ثنائيا بين نتنياهو وخصم واحد.
يبني فريدلاند حجته المؤسسية على الأعوام الأربعة الماضية. أعادت حكومة نتنياهو محاولة تقليص قدرة المحكمة العليا والمستشارة القضائية والهيئات المهنية على مراجعة السلطة التنفيذية. ويربط الكاتب ذلك بمحاكمة نتنياهو في قضايا فساد وبسعي الائتلاف إلى إزالة آخر حاجز قوي في نظام لا يملك دستورا مكتوبا كاملا أو مجلسا تشريعيا ثانيا. هذا تفسير سياسي يدعمه مسار تشريعي علني، لكنه لا يثبت أن كل مؤيد للإصلاح القضائي يريد نظاما استبداديا.
الاختبار العملي لحرية التعبير ظهر في أزمة فيلم «نازا». أعلن نتنياهو عزمه الدفع نحو قوانين تسمح بسحب الجنسية وتشديد عقوبات التشهير بمن يتهمون الجنود، بعد فيلم اعتمد شهادات عسكريين واستخباراتيين عن استهداف غزة. نقلت رويترز أن الإجراءات ستواجه على الأرجح مراجعة قضائية. هنا يرى فريدلاند أن تهديد صناع فيلم بالمواطنة أو السجن يكشف لماذا تصبح السيطرة على المحكمة جزءا من معركة أوسع على قدرة المجتمع على سماع رواية محرجة.
لكن وضع الفلسطينيين يفرض تصحيحا ضروريا على خطاب «الديمقراطية الأخيرة». ملايين الفلسطينيين في الضفة يعيشون تحت سلطة إسرائيلية مؤثرة في الأرض والحركة والأمن من دون حق التصويت للحكومة التي تقرر هذه السياسات. يعترف فريدلاند بهذه المفارقة ويقصر تحذيره المباشر على إسرائيل داخل حدود ما قبل 1967. لذلك لا يمكن استخدام الدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية لتجاهل أن النظام القائم غير ديمقراطي أصلا بالنسبة إلى الخاضعين للاحتلال.
في جولته مع الناشط الإسرائيلي المناهض للاحتلال يهودا شاؤول، يصف الكاتب قرى بدوية أخليت بعد عنف ومضايقات مستوطنين، بينها معرجات ورأس عين العوجا، ويعرض بؤرا جديدة وطرقا وأراضي زراعية تغيرت السيطرة عليها. يقول شاؤول إن نحو 250 مستوطنة وبؤرة أقيمت منذ 2023. هذا الرقم تقدير للناشط لا إحصاء رسمي موحد، ولذلك تقدمه سابا منسوبا إليه، لا باعتباره حصيلة مستقلة نهائية.
القيمة التحليلية للمشاهد ليست في عد البؤر فقط، بل في آلية تكوين الخريطة. قد تبدأ البؤرة بكرفان أو مزرعة على تل، ثم تتسع منطقة النفوذ عبر طريق وحماية مسلحة ومنع الرعي واقتلاع الأشجار أو هدم أبنية قرب المسار. عندما تتكرر العملية حول مدينة فلسطينية، لا يلزم إعلان ضم شامل كي تتحول المدينة إلى جيب محدود الاتصال. هذا هو الرابط بين نتيجة الانتخابات وإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
يعزو المقال تسارع المسار إلى موقع بتسلئيل سموتريتش في إدارة شؤون الضفة وإلى حماية سياسية وفشل إنفاذ القانون ضد عنف المستوطنين. ويقول إن أربع مستوطنات أخلاها أرييل شارون عام 2005 عادت، مع إنشاء أو إقرار أربعة عشر موقعا إضافيا في المنطقة نفسها. هذه الأرقام تنقلها الغارديان عن الجولة والسياق الميداني؛ وهي تحتاج إلى متابعة رسمية تفصيلية لكل قرار، لكنها تتفق مع الاتجاه الأوسع الموثق في قرارات التخطيط والبؤر المتكررة.
من هنا تصبح المحكمة قضية فلسطينية أيضا، مع ضرورة عدم المبالغة في سجلها. المحكمة الإسرائيلية لم توقف الاستيطان أو توفر مساواة كاملة، وأجازت على مدى عقود سياسات أضرت بالفلسطينيين. لكن النشطاء الذين ينقل عنهم فريدلاند يرون أن بقاء قدر من المراجعة القضائية والمؤسسات المستقلة يترك قناة للاعتراض وتأخير قرارات أو كشفها. زوال القناة لا يحول وضعا عادلا إلى ظالم؛ بل يزيل أحد الحواجز القليلة داخل وضع ظالم أصلا.
يناقش الكاتب أيضا حدود الضغط الخارجي. رحب بعقوبات بريطانية تستهدف الاستيطان، لكنه نقل عن عاملين في المجال أن رد الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، قد يضر ببرامج تقدم مساعدة للفلسطينيين. هذه ليست حجة لترك الاستيطان بلا كلفة، بل تنبيه إلى أن تصميم العقوبة وقياس أثرها يجب أن يمنعا نقل الثمن من الجهة المستهدفة إلى السكان الذين يفترض أن تحميهم السياسة.
الموقف الذي يدافع عنه فريدلاند هو مساندة القوى الإسرائيلية التي تعارض نتنياهو والضم، حتى إذا لم تقدم برنامجا فلسطينيا مثاليا. ويشير إلى كتلة يقودها بصورة غير رسمية غادي آيزنكوت وإلى ناشطين يعملون ضد الاحتلال. هذه توصية سياسية ورأي للكاتب، وليست نتيجة حتمية للوقائع. يمكن للفلسطيني أن يشك في معارضة لا تتعهد بإنهاء الاحتلال، ويمكن في الوقت نفسه أن يرى فرقا حقيقيا بين حكومة توسع الضم علنا وائتلاف يحد بعض أدواتها.
التقرير لا يفترض أن سقوط نتنياهو سيجلب سلاما. المزاج العام بعد 7 أكتوبر والحروب اللاحقة أكثر تشددا، وخصوم رئيس الوزراء يأتون غالبا من المؤسسة العسكرية ولا يتبنون انسحابا فوريا أو دولة فلسطينية بشروط واضحة. لذلك يجب تقييم أي حكومة بديلة عبر قرارات محددة: تجميد البناء والبؤر، حماية القرى، إعادة صلاحيات التخطيط إلى إطار خاضع للمراجعة، وقف التهجير، وتحديد أفق سياسي ذي جدول زمني.
أما احتمال فوز نتنياهو فلا يعني وحده نهاية الديمقراطية في لحظة واحدة. قد تمنع المحكمة أو الاحتجاجات أو انقسام الائتلاف بعض التشريعات، وقد تفرض السياسة الدولية والاقتصاد قيودا. لكن الخطر الذي يصفه فريدلاند تراكمي: تعيينات موالية، قوانين جزئية، ضغوط على الإعلام، تجريم نقد الجيش، وتطبيع مؤسسات مدنية إسرائيلية في الضفة. كل خطوة تبدو قابلة للعكس منفردة، بينما قد يصعب عكس مجموعها بعد دورة أخرى.
يمكن متابعة صدقية التحليل عبر خمسة مؤشرات قبل الاقتراع وبعده: قدرة المعارضة على صياغة ائتلاف لا يستبعد الصوت العربي تلقائيا؛ موقف الأحزاب من استقلال المحكمة والمستشارة القضائية؛ التزامها بحماية حرية الصحافة والفيلم؛ قرارات البناء والبؤر والعنف في الضفة؛ وطريقة تعاملها مع حل سياسي للفلسطينيين. من دون هذه الاختبارات يبقى شعار إنقاذ الديمقراطية داخليا ومنفصلا عن الحقوق الواقعة خلف الخط الأخضر.
الخلاصة أن أهمية الانتخابات لا تأتي من ادعاء أن صندوقا إسرائيليا يستطيع منح الفلسطينيين حقوقهم مباشرة، بل من قدرة الحكومة المقبلة على توسيع أو تضييق المجال الذي تبقى فيه الحقوق قابلة للدفاع. حجة فريدلاند تحذيرية ومتحيزة بوضوح إلى إسقاط نتنياهو؛ وقيمتها أنها تربط ما يحدث للمحكمة والمخرج والصحفي داخل إسرائيل بما يحدث للقرية والطريق وشجرة الزيتون في الضفة. وإذا كان الاقتراع اختبارا للديمقراطية، فإن صدقيته لن تقاس بحرية الناخب الإسرائيلي وحده، بل بما إذا كانت النتيجة توقف تحويل الفلسطينيين إلى سكان دائمين بلا سيادة ولا مساواة.