تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
هدنة انتهت على أقدام النازحين: كيف أعادت حرب الإقليم اليمن إلى رحلة الفرار؟
تقرير موسع في النزوح الذي أعقب التقدم الحوثي على الساحل الغربي، وفي تحول هدنة 2022 من وقف هش للقتال إلى مرحلة انتظار لم تُبن خلالها حماية للمدنيين أو قدرة كافية على استقبال موجة نزوح جديدة.
لا تبدأ قصة عودة الحرب اليمنية من خريطة السيطرة أو من باب المندب، بل من أسرة فرت من المخيم الذي كان يفترض أن يكون ملاذا لها. في تقرير ميداني نشرته رويترز في 18 سبتمبر 2026، تروي راوية حسن، وهي أم لسبعة أطفال، أنها غادرت مع عائلتها تحت القصف من دون أحذية أو أغطية أو طعام، قبل أن تجتمع بأطفالها في مخيم البيرين بمحافظة تعز. الأسرة كانت قد نزحت قبل ثماني سنوات من قريتها، ثم اضطرت الآن إلى النزوح من مكان نزوحها الأول.
هذه الشهادة ليست تفصيلا عاطفيا يزين خبرا عسكريا؛ إنها تلخص طبيعة الأزمة الجديدة. فالمدنيون لا يغادرون منازل مستقرة إلى مراكز استقبال مجهزة، بل ينتقل كثير منهم بين تجمعات هشة أضعفتها سنوات الحرب. عندما تصل الجبهة إلى مخيم قائم، تضيع شبكة النجاة الأخيرة: الحيوان الذي يوفر دخلا، والبطانية، وخزان الماء، ومكان يعرفه الأطفال، والعلاقة المحدودة التي بنتها الأسرة مع عامل إغاثة أو مدرسة مؤقتة.
وفق منظمة الهجرة الدولية كما نقلت رويترز، نزح داخل اليمن ما لا يقل عن 112 ألف شخص خلال أسبوعين، بينما فر قرابة ثلاثة آلاف عبر خليج عدن إلى جيبوتي في قوارب مكتظة وبإمدادات محدودة. استخدمت المادة الميدانية رقما أوسع يبلغ 115 ألف شخص تتحرك بهم موجة القتال، وهو يضم تقديرات وكالات الإغاثة ومسارات خروج متعددة. لذلك تعتمد سابا رقم 112 ألفا باعتباره الحد الذي نسبته الوكالة مباشرة إلى المنظمة الأممية، وتبقي الرقم الأعلى في سياقه التقديري.
الوقائع العسكرية التي تفسر الحركة هي تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على المخا وأجزاء من الشريط الجنوبي للبحر الأحمر، مع انفجار القتال على جبهات عدة بعد سنوات من الهدوء النسبي. استخدمت الجماعة صواريخ بالستية وطائرات مسيرة، وردت السعودية والقوات اليمنية المتحالفة معها بغارات جوية. لا تعني عبارة «التقدم» أن كل رواية عن السيطرة أو الخسائر أصبحت مستقلة التحقق، لكنها تعني أن خط النار اقترب فجأة من تجمعات مدنية ومسارات نزوح قديمة.
من المهم الفصل بين ثلاثة أزمنة في الحرب. الحرب الأهلية لم تنته بعد هدنة 2022؛ الذي توقف إلى حد بعيد هو القتال الواسع بين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية. خلال السنوات التالية بقيت خطوط التماس والسلطات المتنافسة والاقتصاد المنقسم، فيما استمرت أزمات الرواتب والخدمات والاحتجاز. أما سبتمبر 2026 فيمثل انتقالا من حرب مجمدة إلى عمليات واسعة تعيد تشكيل الأرض وتدفع المدنيين إلى الحركة بسرعة.
حجة التقرير الميداني أن الهدنة أنتجت إحساسا بالأمان من دون أن تنتج حماية دائمة. لم تُحل أسباب النزاع، ولم تُدمج القوى المسلحة في تسوية، ولم تُبن قدرة استقبال كافية لموجة جديدة. ولهذا احتاجت الصدمة إلى أيام قليلة كي تنقل عشرات الآلاف إلى مخيمات قرب عدن وتعز، حيث نصبت الخيام في الرمل وقدمت لبعض الأسر فرش رقيقة وأغطية قديمة، بينما يعتمد الماء والطعام على شاحنات وتوزيعات لا يملك السكان بديلا عنها.
يظهر الساحل في هذه المادة بوظيفتين متناقضتين. هو ممر عسكري وتجاري بالغ الأهمية، وهو في الوقت نفسه طريق هرب. التقدم نحو باب المندب يرفع قلق شركات الشحن والدول الأوروبية والخليجية، لكن القوارب التي تغادر إلى جيبوتي تحمل عائلات لا بضائع. إذا طغت حسابات حماية الملاحة على حماية الإنسان، قد تنجح القوات الدولية في خفض خطر على سفينة ولا تعالج سبب ركوب أسرة قاربا مكتظا بالماء والطعام القليلين.
تستعد جيبوتي، وفق ما نقلته رويترز عن ممثلة مفوضية اللاجئين، لاحتمال وصول عشرة آلاف شخص. هذا الاستعداد لا يعني أن العدد وصل فعلا، بل هو سيناريو تخطيط لاستقبال موجة قد تستمر. حتى بضعة آلاف يضغطون على دولة صغيرة محدودة القدرة الصحية والتعليمية، بينما تتطلب حماية الوافدين تسجيلهم وإيواءهم ومنع الاتجار بهم ولم شمل الأسر والتأكد من عدم إعادتهم إلى الخطر.
كما سجلت سلطات أرض الصومال وبونتلاند وصول مئات من اليمنيين ومن الصوماليين العائدين. هذه الحركة تعكس انقلاب مسار الهجرة المعروف عبر خليج عدن: اليمن كان ممرا ومقصدا لمهاجرين من القرن الأفريقي، والآن تدفع الحرب يمنيين ومهاجرين عالقين إلى الإبحار في الاتجاه المعاكس. لا ينبغي جمع الفئات في رقم واحد من دون تمييز، لأن اللاجئ اليمني والعائد الصومالي والمهاجر الإثيوبي قد يخضع كل منهم لنظام حماية مختلف.
الزاوية الإقليمية حاضرة ولا يجوز اختزالها. ربطت رويترز تجدد الحرب باتساع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فيما يمنح تقدم الحوثيين على الساحل طهران نفوذا أكبر قرب باب المندب. لكن القول إن كل حركة حوثية مجرد أمر إيراني يتجاهل جذور النزاع اليمنية ومصلحة الجماعة في توسيع سلطتها ومقايضة السعودية. وبالمقابل، تجاهل الدعم الإيراني يجعل فهم الصواريخ والمسيرات وتوقيت الضغط البحري ناقصا.
هذا التمييز ضروري لأن السياسة المناسبة تختلف باختلاف التشخيص. إذا كانت الأزمة مجرد جبهة في حرب إقليمية، يصبح الحل وقف النار بين القوى الكبرى. وإذا كانت حربا يمنية فقط، يكفي تفاوض محلي على السلطة والموارد. الواقع يجمع المستويين: يحتاج المدني إلى خفض الضربات السعودية والهجمات الحوثية فورا، لكنه يحتاج أيضا إلى تسوية يمنية تمنع عودة القتال بمجرد تغير ميزان إيران أو الملاحة.
تظهر القصة أيضا فجوة في تعريف النجاح. هدنة تقلل الغارات والصواريخ لسنوات إنجاز مهم لأنها تنقذ أرواحا، لكنها ليست سلاما إذا بقيت الأسر داخل مخيمات قابلة لأن تصبح ساحة قتال. النجاح الأعمق يقاس بعودة النازحين الطوعية والآمنة، وإزالة الألغام، واستعادة المدارس والخدمات، ودفع الرواتب، ووجود آلية تحمي المخيمات والممرات المدنية عند وقوع خرق. هذه الشروط لم تُنجز بالقدر الذي يمنع النزوح المتكرر.
أما الاستجابة الإنسانية فتواجه مشكلة التوقيت. الأسرة التي وصلت بلا فراش تحتاج مساعدة اليوم، بينما نظام التمويل والإمداد يعمل بخطط ونداءات وموافقات عبور قد تستغرق وقتا. ومع اتساع الجبهات، تصبح الطرق نفسها معرضة للضرب أو الإغلاق، ويرتفع سعر الوقود الذي تعتمد عليه شاحنات الماء والغذاء. لذلك ينبغي أن يقاس الوصول الإنساني بعدد الأيام التي تستطيع المخيمات الصمود خلالها، لا بعدد الشحنات المعلن عنها فقط.
يحتاج التحقق أيضا إلى انضباط في وصف المسؤولية. شهادات الأسر تثبت الخوف والخسارة ومسار الفرار، لكنها لا تحدد وحدها مصدر كل قذيفة أو طائرة. بيانات الوكالات تثبت حجم النزوح المسجل، لكنها قد تتأخر عن حركة الناس أو تكرر أسرة عبر أكثر من نقطة إذا لم توحد السجلات. أما خرائط السيطرة العسكرية فتتغير بسرعة. لهذا يفصل التقرير بين ما شاهده مراسلو رويترز، وما قالته الأسر، وما أعلنته الجهات العسكرية، وما أحصته الوكالات.
التقدير التحريري هو أن النزوح الحالي يمثل إنذارا مبكرا لا نتيجة نهائية. مئة واثنا عشر ألف نازح في أسبوعين رقم كبير، لكنه قد يرتفع بسرعة إذا استمر القتال حول تعز والساحل أو تعذر الرجوع إلى المخا. وفي المقابل قد تستقر الحركة إذا ثبتت خطوط جديدة وفتحت ممرات. لا يجوز تحويل السيناريو الأسوأ إلى حقيقة مسبقة، لكن الاستعداد له واجب لأن البنية الإنسانية منهكة أصلا.
هناك أربعة مؤشرات تكشف اتجاه الأزمة: معدل النزوح الأسبوعي لا التراكمي فقط؛ وصول المساعدات إلى مخيمات البيرين والفردوس والمواقع الجديدة قرب عدن؛ عدد القوارب والوفيات أو المفقودين في خليج عدن؛ وقدرة الأسر على العودة إلى قراها ومخيماتها الأولى. ويضاف إليها مؤشر سياسي: هل تفتح السعودية والحوثيون قناة لوقف الضربات، أم يتحول الساحل إلى جبهة طويلة مرتبطة بحسابات إيران والبحر الأحمر؟
الخلاصة أن تقرير رويترز يعيد ترتيب أولويات قراءة اليمن. السيطرة على المخا وباب المندب مهمة للتجارة ولحسابات القوى، لكن معناها الأول لسكان المنطقة هو أن ملاذا مؤقتا اختفى وأن رحلة نجاة بدأت من جديد. الهدنة التي لا تتحول إلى مؤسسات حماية وتسوية قابلة للتنفيذ تمنح المدنيين استراحة لا مستقبلا. وحين تنتهي الاستراحة، يدفع النازح الكلفة مرتين: مرة لأنه فقد منزله، ومرة لأن المخيم نفسه لم يعد بعيدا عن الحرب.