تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
من فتيان خارج المدرسة إلى أذرع للبؤر: كيف تستغل مزارع المستوطنين القاصرين في الضفة؟
تحقيق إسرائيلي يربط بين تسرب فتيان صغار من التعليم وانتقالهم إلى المزارع والبؤر المعزولة، وبين تصاعد العنف ضد الفلسطينيين؛ ويكشف تضارب الأرقام وتبادل المسؤولية بين الشرطة والرفاه والتعليم والمجالس الاستيطانية.
يكشف تحقيق أعده الصحفي شوكي ساداه لمؤسسة شومريم الإسرائيلية ونشرته واينت في 13 سبتمبر 2026 أن بعض المزارع والبؤر الاستيطانية المعزولة في الضفة الغربية أصبحت نقطة جذب لفتيان تسربوا من المدارس أو ابتعدوا عن أسرهم وأطر الرعاية. لا يعرض التحقيق كل قاصر في هذه المواقع بوصفه مشاركا في العنف، لكنه يوثق فجوة تسمح بوجود أطفال صغار بلا إشراف كاف في بيئة مرتبطة بالسيطرة على الأرض والاحتكاك اليومي بالفلسطينيين.
تبدأ المادة من رسائل بعث بها ناشطون إسرائيليون إلى دوائر الرفاه في مجلسي بنيامين والأغوار. تضمنت الرسائل مخاوف بشأن قاصرين يقيمون فترات طويلة في بؤر زراعية، ويظهر عليهم الإهمال أو التدهور النفسي أو الانقطاع عن التعليم. هذه إفادات ناشطين وليست تشخيصات طبية مستقلة، ولذلك لا تنشر سابا هوية أي قاصر ولا تحول الملاحظات الفردية إلى حكم على جميع الفتيان الموجودين في التلال.
ارتفعت حساسية القضية بعد تداول تسجيل يظهر، وفق التحقيق، فتى يضرب فلسطينيا مسنا من ذوي الإعاقة بعصا بينما يصور فتى آخر الاعتداء. وحددت السلطات مشتبهين يبلغان نحو 16 و17 عاما واحتجزتهما للتحقيق. تثبت هذه الواقعة دخول قاصرين في حادث عنف محدد، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كل بؤرة تدير شبكة منظمة أو أن كل فتى يعيش فيها يرتكب جرائم.
يضع التحقيق الواقعة داخل مؤشرات أوسع. فبيانات نشرتها حركة حرية المعلومات الإسرائيلية أظهرت زيادة بنسبة 560 في المئة منذ 2019 في الحوادث التي تصنفها الشرطة جرائم قومية في الضفة، مع مشاركة شبان في نسبة معتبرة منها. وتقدر الشرطة أن نحو 300 ممن يعيشون أو يمكثون في التلال والبؤر يشاركون في اضطرابات وأعمال عنف. هذان رقمان من مصدرين إسرائيليين وبمنهجيتين مختلفتين، ولا يجوز جمعهما أو استخدامهما لإنتاج نسبة غير منشورة.
أما عدد من يمكن وصفهم بفتيان التلال عموما فموضع خلاف رسمي. قال مسؤول عينه وزير الدفاع لتنسيق العمل الحكومي إن العدد يقارب ألفا، بينما قدم ممثلو وزارتي التعليم والرفاه أمام لجنة التعليم في الكنيست تقديرا يتراوح بين 600 و800. اختلاف الأرقام لا يثبت أن أحد الأطراف يخفي حصيلة بعينها؛ بل يكشف غياب تعريف موحد وسجل يجمع من يقيم بصورة دائمة ومن يتنقل بين المزارع خلال العطل أو الأزمات.
يربط شومريم هذا الغموض باتساع جغرافيا البؤر. ووفقا للتحقيق، أُقيمت قرابة 200 بؤرة جديدة خلال ولاية الحكومة الحالية على مساحة نفوذ تقارب مليون دونم، فيما أُجبرت أكثر من مئة جماعة فلسطينية على مغادرة أراضيها. تبقى هذه الأرقام منسوبة إلى المؤسسة التي أعدت التقرير، ولم تعثر سابا في المصادر المفتوحة التي راجعتها على قاعدة حكومية واحدة تؤكدها بتعريف مطابق لكل بؤرة وكل تجمع مهجر.
المعادلة الميدانية التي يرسمها التقرير بسيطة وخطرة: البؤرة الزراعية تحتاج إلى عدد قليل من المباني والأشخاص، لكنها تعتمد على الرعي والحراسة والوجود المتحرك في مساحة أكبر بكثير. حين يُكلف فتى بحراسة ليلية أو رعي نهاري أو المشاركة في مواجهة إخلاء، يصبح وجوده جزءا من تثبيت السيطرة على الأرض حتى إذا لم يحمل صفة رسمية أو يتلق تدريبا معلنا.
تؤكد شهادة شاب يعيش في بؤرة غير مرخصة هذا التداخل من داخل البيئة نفسها. قال إن فتيانا في سن الرابعة عشرة يشاركون في الحراسة والرعي وأعمال البنية، وقد لا ينامون سوى ساعات قليلة عند الحاجة. كما قدم الصراع مع الفلسطينيين بوصفه جزءا من تصور ديني للسيطرة على الأرض. هذه شهادة فردية مجهلة الاسم، لا وثيقة تعليمات عامة، لكنها توضح المناخ الذي يمكن أن يتعلم فيه القاصر أن القوة وظيفة يومية ومقبولة.
السن التي يبدأ عندها الانتقال إلى هذه البيئة آخذة في الانخفاض، بحسب مسؤولة في وزارة التعليم تحدثت أمام لجنة بالكنيست. قالت إن بعض الأطفال يزورون المزارع في الصفين السابع والثامن خلال العطل ونهايات الأسبوع، ثم يتعلقون بنمط الحياة فيها ويتدرج انفصالهم عن المدرسة. دفعت الظاهرة الوزارة إلى طلب تمويل برامج تستهدف المرحلة الإعدادية، وهو إقرار رسمي بأن المشكلة تبدأ قبل سن العمل أو الخدمة العسكرية.
ويشير تقرير مشترك بين الوزارات قادته وزارة العدل واكتمل في سبتمبر 2025 إلى أن غالبية الموجودين في هذه الفئة من الذكور، وأن كثيرا منهم مروا بتجربة التسرب من التعليم. وذكر أن بعض القاصرين يعيشون بلا شروط أساسية أو إشراف بالغين وبعيدا من أسرهم، وأن المخالفات قد تمتد من قيادة مركبات بلا ترخيص إلى اعتداءات قومية ضد فلسطينيين وعسكريين وشرطة. التقرير كما نقله شومريم يشخص طيفا من المخاطر ولا يحكم مسبقا بإدانة كل طفل.
العقدة المؤسسية هي تحديد الجهة المسؤولة. المجالس الاستيطانية تقول إن كثيرا من الفتيان قدموا من القدس وبيت شيمش ونتانيا وغيرها، وإنهم يتنقلون بين مناطق لا تتطابق مع عنوان الأسرة أو مكان الواقعة. هذا يجعل المجلس الذي توجد البؤرة ضمن نطاقه يقول إن القاصر يتبع سلطة أخرى، فيما قد تفتقر السلطة الأصلية إلى معلومات دقيقة عن مكانه أو ظروف إقامته.
رفضت لجنة الأخلاقيات في نقابة العاملين الاجتماعيين تحميل موظفين محليين منفردين مسؤولية الفشل، لكنها أقرت في رد مكتوب بأن وجود عدد معتبر من القاصرين والأفعال المنسوبة إليهم مشكلة وطنية، وأوصت بتوجيه المطالب إلى وزارات الرفاه والتعليم والأمن العام. يكشف الرد حدود معالجة ظاهرة سياسية وأمنية واسعة بملف رعاية فردي، لكنه لا يعفي مؤسسات الدولة من واجب حماية الطفل والتحقيق في الخطر.
تقول مسؤولة في وزارة الرفاه إن الوزارة تراجع البلاغات، وتتصل بالأسر، وتدخل عاملا اجتماعيا مختصا بقانون الأحداث عندما يتوافر ما يدل على أن الفتى معرض للخطر أو يهدد نفسه أو غيره. في المقابل، يرى ناشطون أن بقاء القاصرين في المواقع نفسها بعد البلاغات دليل على أن الاستجابة لا تصل إلى نتيجة. لا يقدم التحقيق سجلا كاملا بعدد التدخلات والنتائج، لذلك لا يمكن قياس نسبة النجاح أو الفشل بدقة.
في جلسة برلمانية لخص النائب رام بن باراك الاتهام الأكثر حدة بالقول إن أشخاصا حولوا أطفالا يحتاجون إلى العلاج إلى جنود للمزارع. تنسب سابا هذا الوصف إلى النائب ولا تقدمه نتيجة قضائية. قيمته السياسية أنه ينقل النقاش من صورة فتى متمرد اختار التل وحده إلى سؤال عمن يوفر المكان والعمل والخطاب والحماية ويستفيد من حضوره في توسيع نطاق البؤرة.
يضيف التحقيق شهادات من محيط بورين جنوب نابلس، حيث يقول ناشطون إن مجموعات تخرج من بؤرة جفعات رونين وتدخل أطراف القرية بمشاركة أطفال قد لا يتجاوز عمر بعضهم عشر سنوات. لم يرد أحد الأشخاص الذين وجهت إليه شومريم أسئلة بشأن مشاركة القاصرين، بينما قال مجلس بنيامين إن خدماته الاجتماعية تعمل وفقا للقانون وتحت إشراف وزارة الرفاه، ولم يرد مجلس الأغوار على طلب التعليق.
الاستنتاج الصحفي لا ينبغي أن يعاقب الأطفال مرتين: مرة حين يتركون التعليم والرعاية، ومرة حين يُختزلون في وصف أمني يلغي حاجتهم إلى الحماية. المساءلة يجب أن تتجه أولا إلى البالغين والمؤسسات التي تستقدمهم أو تشغلهم أو تتجاهل وجودهم، مع التحقيق الفردي العادل في أي اعتداء مثبت وعدم تحويل السن أو الخلفية الاجتماعية إلى حصانة من حقوق الضحايا الفلسطينيين.
كما يكشف الملف أن عنف المستعمرين ليس سلسلة حوادث منفصلة فقط، بل منظومة تجمع الأرض والتعليم والرفاه والشرطة والمجالس المحلية. إذا استمر كل جهاز في معالجة الجزء الواقع أمامه وحده، ستبقى البؤرة تستفيد من الفراغ بين السلطات: القاصر ليس في المدرسة، وليس مسجلا بوضوح لدى المجلس، وقد لا يصل ملفه إلى الشرطة إلا بعد وقوع اعتداء.
الخلاصة أن تحقيق شومريم يقدم أدلة وشهادات رسمية على ظاهرة تستحق تحقيقا عاما وبيانات دورية، لكنه لا يثبت وحده جميع تقديرات المساحات والتهجير ولا يحدد عددا نهائيا للفتيان. المؤكد أن مؤسسات إسرائيلية تعرف منذ سنوات بوجود قاصرين صغار في بؤر معزولة وبأن بعضهم شارك في العنف، بينما ما زالت المسؤولية موزعة والنتائج غير قابلة للقياس علنا. وبين التأخر المؤسسي واتساع البؤر يدفع الفلسطينيون ثمن العنف، ويدفع الأطفال ثمن تحويل الإهمال إلى أداة سيطرة.