تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
اليوم التالي لـ«اليونيفيل»: هل يملأ الجيش اللبناني الفراغ أم يعود الجنوب إلى منطق الردع؟
تحليل موسع لمعركة تمديد مهمة قوات الأمم المتحدة بعد الموعد المقرر لإنهائها، ولماذا لا يساوي ضعف المهمة الحالية إمكان الاستغناء عنها قبل قيام بديل يراقب الانسحاب ونزع السلاح ويحمي قنوات منع الاحتكاك.
تفتح نهاية مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان سؤالاً أكبر من مصير بعثة دولية: من يراقب الخط الفاصل، ومن يوثق الخروقات، ومن يمنع حادثاً ميدانياً من التحول إلى حرب؟ تقرير فايننشال تايمز المنشور في 13 سبتمبر 2026 يكشف تحركاً فرنسياً لبنانياً لتمديد محدود بعد 31 ديسمبر، رغم اعتراض إسرائيل والقرار السابق بإنهاء المهمة.
لم يظهر اسم كاتب مادة فايننشال تايمز في النسخة المفتوحة التي أمكن الوصول إليها. وللتحقق من السياق الميداني، يستند هذا التقرير أيضاً إلى تغطية أسوشيتد برس في 12 سبتمبر لزيارة الرئيس جوزيف عون مدينة النبطية والقرى الجنوبية. ويظل الفصل ضرورياً بين ما تنقله المصادر كوقائع، وبين تقدير آثار الانسحاب أو التمديد.
الوقائع الأساسية هي أن اليونيفيل تضم أكثر من سبعة آلاف جندي من نحو خمسين دولة، وأنها أنشئت عام 1978 ثم وسع مجلس الأمن مهامها بعد حرب 2006. وفي قرار صدر عام 2025، حددت نهاية مهمتها بنهاية 2026 على أن يتم الانسحاب خلال فترة لاحقة. الآن تقول بيروت إن الظروف تغيرت وإن التنفيذ في الموعد يهدد بفراغ أمني.
تفيد فايننشال تايمز بأن لبنان بعث رسالة إلى مجلس الأمن يطلب فيها تمديداً محدوداً، وأن فرنسا ومعظم أعضاء المجلس يدعمون الفكرة وفق ثلاثة أشخاص مطلعين على المناقشات. ليست هذه موافقة نهائية؛ إنها جبهة تفاوض تحتاج إلى قرار جديد وتواجه رفضاً إسرائيلياً معلناً.
يستند الموقف الإسرائيلي إلى حجة أن اليونيفيل أخفقت طوال سنوات في منع حزب الله من بناء ترسانته وبنيته قرب الحدود. وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون إن المهمة لم تحقق هدفها وإن موعد انتهائها حُسم. هذه حجة تتعلق بالفاعلية، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال من سيتولى وظائف المراقبة والاتصال في اليوم التالي.
أما الحجة اللبنانية، التي عرضها السفير أحمد عرفة، فتقول إن السياق الأمني تبدل جذرياً وإن المغادرة المبكرة قد تترك فراغاً. يشهد الجنوب وجوداً عسكرياً إسرائيلياً في مناطق واسعة وغارات مستمرة، فيما يرفض حزب الله نزع سلاحه. في مثل هذا المشهد لا يمثل خروج القوة عودة تلقائية لسيادة الدولة؛ قد يعني ببساطة اختفاء طرف ثالث قبل اكتمال شروط السيادة.
تعطي تغطية أسوشيتد برس صورة ميدانية لهذا التعقيد. زار عون النبطية القريبة من تلة علي الطاهر التي تسيطر عليها إسرائيل، ثم توجه إلى زوطر الغربية، إحدى المناطق المشمولة بترتيبات تجريبية توسطت فيها واشنطن وتربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله. الزيارة تثبت حضور الدولة السياسي، لكنها لا تثبت أن الجيش يملك وحده كل الموارد والغطاء اللازمين لإدارة الحدود.
وتقول الوكالة إن وقف النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في 20 يونيو خفض القتال الواسع بعد حرب مارس، لكن الهجمات الإسرائيلية استمرت، كما أطلقت طائرات مسيرة متفجرة نسبتها إسرائيل إلى حزب الله من دون أن تتبناها الجماعة. الخلاف على الوقائع ونسب المسؤولية هو بالضبط أحد المجالات التي تحتاج إلى مراقبة موثوقة وقناة اتصال مستمرة.
هنا يبدأ التقدير: اليونيفيل ليست جيشاً قادراً على فرض نزع السلاح بالقوة، ولا يمكنها الحلول محل الدولة اللبنانية أو إلزام إسرائيل بالانسحاب. لذلك فإن تصويرها كضامن كامل للأمن يبالغ في دورها. لكنها توفر دوريات وتقارير واتصالاً محلياً وخبرة تراكمية ووجوداً دولياً يجعل بعض الحوادث مرئية وقابلة للنقاش قبل أن تصبح مبرراً للتصعيد.
إنهاء المهمة بسبب عدم قدرتها على تحقيق الهدف الأقصى قد يلغي الوظائف المحدودة التي تؤديها فعلاً. هذا لا يعني أن كل دورية منعت مواجهة، ولا أن وجود القوات منع كل خرق؛ بل يعني أن المقارنة الصحيحة ليست بين بعثة مثالية وبعثة ناقصة، وإنما بين المهمة الحالية والبديل الواقعي المتاح في يناير 2027.
تداولت المناقشات، وفق فايننشال تايمز، بدائل تشمل بعثة أممية أصغر أو وجوداً تقوده فرنسا أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو مجموعة دول مثل إيطاليا وبريطانيا. لكن أي بديل يحتاج إلى تفويض قانوني وقواعد اشتباك وحصانات واتفاق مع الدولة المضيفة وتمويل وقبول سياسي. ولهذا لا يمكن إنشاء قوة ذات صدقية بمجرد تغيير الاسم قبل الموعد بأسابيع.
الجيش اللبناني هو البديل السيادي الطبيعي، لكن تكليفه وحده لا يحل المعضلة السياسية. يجب أن ينتشر بالعدد والموارد اللازمة، وأن يحظى بقرار داخلي يسمح له بحصر السلاح، وبضمان انسحاب إسرائيلي، وبتمويل طويل الأجل لا يحوله إلى قوة تعتمد على منح طارئة. إذا غاب واحد من هذه الشروط فقد يجد نفسه مسؤولاً عن منطقة لا يملك السيطرة الكاملة عليها.
كما أن نزع سلاح حزب الله لا يمكن اختزاله في عملية جمع أسلحة تقنية. الحزب يرفض الخطوة ويربطها بالاحتلال والتهديد الإسرائيلي، فيما ترى إسرائيل أن الانسحاب من دون نزع السلاح يعيد التهديد إلى الحدود. تتطلب كسر الحلقة تسلسلاً متزامناً ومراقباً: انسحاب في نقاط محددة، انتشار للجيش، تحقق من السلاح، وضمان للمدنيين على الجانبين.
تقول أسوشيتد برس إن جولة جديدة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية مقررة في روما خلال أكتوبر، في وقت يرفض حزب الله التفاوض المباشر. تمنح هذه القناة فرصة لاختبار ترتيبات موضعية، لكن تحويلها إلى بديل كامل لليونيفيل قبل نهاية العام يبدو تقديراً غير مضمون. المفاوضات تحتاج إلى جهة تحفظ السجل وتساعد على إدارة الخلاف عندما يقدم كل طرف رواية مختلفة.
يمكن أن يكون التمديد المحدود مفيداً إذا ارتبط بمعايير واضحة: تسريع انتشار الجيش اللبناني، تحديد جدول الانسحاب الإسرائيلي، نشر تقارير مفصلة عن الخروقات، دعم إزالة الألغام وحماية المدنيين، وبناء آلية بديلة قبل انتهاء التمديد. أما التمديد المفتوح بلا أهداف فسيعيد إنتاج الاعتراض الإسرائيلي ويحول القوة إلى إدارة دائمة لجمود غير مستقر.
الخلاصة أن الجدل لا ينبغي أن ينحصر في سؤال نجاح اليونيفيل أو فشلها تاريخياً. السؤال العاجل هو ترتيب الانتقال: هل توجد في اليوم الأول بعد رحيلها قوة شرعية قادرة على المراقبة والاتصال ودعم سيادة لبنان، أم يُترك الجنوب بين وجود عسكري إسرائيلي وسلاح حزب الله ومنطق الردع المتبادل؟ التمديد لا يصنع السلام، لكنه قد يشتري الوقت الضروري كي لا يتحول إنهاء بعثة ناقصة إلى فراغ أخطر.