SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

إجماع بلا أدوات إلزام: هل يستطيع «بريكس» تحويل نداء التهدئة في الخليج إلى وساطة؟

قراءة موسعة في إعلان نيودلهي الذي جمع إيران والإمارات على الدعوة إلى ضبط النفس، وفي الفجوة بين قدرة دول بريكس على فتح القنوات وقدرتها على فرض تسوية أو حماية الملاحة والاقتصادات المتضررة.

خرجت قمة بريكس في نيودلهي بإعلان إجماعي يدعو إلى أقصى درجات ضبط النفس وحل التصعيد في الشرق الأوسط بالحوار والتشاور والدبلوماسية. وفي ظرف تشارك فيه إيران والإمارات داخل الكتلة نفسها، لا تبدو صياغة البيان إجراءً بروتوكولياً خالصاً؛ لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن بريكس تحول إلى وسيط قادر على وقف الحرب أو ضمان تنفيذ أي اتفاق.

نشرت فايننشال تايمز تحليلها في 12 سبتمبر 2026، فيما قدمت رويترز في اليوم نفسه تغطية مستقلة للإعلان ومفاوضاته. لم يظهر اسم كاتب مادة فايننشال تايمز في النسخة المفتوحة التي أمكن الوصول إليها، أما مادة رويترز فنشرت باسم ساريتا تشاغانتي سينغ مع مساهمات تحريرية وميدانية أخرى. هذا التقرير يعيد بناء الحجج والسياق بصياغة عربية أصلية ولا ينقل النصين حرفياً.

الواقعة الأولى الثابتة هي أن الأعضاء العشرة وافقوا بالإجماع على إعلان نيودلهي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات. وعبر البيان عن قلق عميق من التصعيد، ودعا إلى التسوية السلمية، لكنه تجنب تسمية إيران باعتبارها طرفاً مسؤولاً أو طرح جدول تنفيذي لوقف النار.

الواقعة الثانية أن الوصول إلى الإجماع كان صعباً بسبب وجود إيران داخل المجموعة، وبسبب كون الإمارات حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة ودولة خليجية تتأثر مباشرة بأمن الطاقة والملاحة. وتقول فايننشال تايمز إن جهداً دبلوماسياً هندياً ساعد على إنتاج النص النهائي، فيما عقد رئيس الوزراء ناريندرا مودي لقاءين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد.

هنا يبدأ التقدير التحليلي: وجود الخصوم أو الأطراف المتباعدة في غرفة واحدة يمنح بريكس قناة اتصال قد لا تتوافر في الأطر الغربية، لكنه يفرض في الوقت نفسه لغة تقع عند الحد الأدنى المشترك. كلما اتسعت عضوية الكتلة وتباينت تحالفاتها، أصبح إصدار البيان أسهل من الاتفاق على من خالفه أو ما الكلفة التي ينبغي فرضها عليه.

تقدم بكين نفسها في هذا المسار بوصفها قوة قادرة على صناعة السلام، ودعا الرئيس شي جينبينغ أعضاء الكتلة إلى الاضطلاع بدور في الوساطة. تحمل الدعوة رسالة إلى دول الجنوب مفادها أن إدارة الأزمات لا ينبغي أن تبقى احتكاراً أميركياً أو أوروبياً. لكن موقع الصين الاقتصادي والسياسي لا يتحول تلقائياً إلى ضمان أمني، خصوصاً عندما تتطلب التسوية مراقبة ميدانية أو التزامات عسكرية أو عقوبات على من يخرقها.

أما الهند فتلعب دوراً مختلفاً. تستضيف القمة وتحافظ على علاقات مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل في وقت واحد، ولذلك تستطيع نقل الرسائل بين دوائر لا تلتقي بسهولة. غير أن حياد القناة لا يساوي نفوذاً غير محدود؛ فنيودلهي تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وتريد خفض التصعيد من دون تحويل بريكس إلى تحالف صدامي مع واشنطن.

تظهر هذه الحدود في الشق الاقتصادي من الإعلان. فقد عارضت الكتلة الرسوم والإجراءات غير الجمركية والعقوبات الأحادية، لكنها تجنبت، وفق فايننشال تايمز، دفع مقترحات كبيرة لنزع مركزية الدولار أو إنشاء ترتيبات دفع تستفز الإدارة الأميركية قبيل محادثات مهمة. تكشف الصياغة أن الأعضاء متفقون على رفض الضغط، لكنهم غير متفقين بالدرجة نفسها على بناء بديل موحد للنظام القائم.

يضيف التقارب الهندي الصيني فرصة وعبئاً في آن. كانت زيارة شي إلى الهند الأولى منذ سبع سنوات مؤشراً إلى تهدئة بين أكبر قوتين في بريكس، لكن التنافس الحدودي والاستراتيجي لم يختف. ونقلت فايننشال تايمز عن المحللة ريما بهاتاشاريا أن التنافس بين البلدين يظل أكبر مكابح تماسك المجموعة. لذلك يمكن للتقارب أن يسمح بخطوة دبلوماسية مشتركة، لكنه لم يصبح بعد قيادة ثنائية مستقرة.

الدافع الاقتصادي للتهدئة واضح. الحروب التي تربك الخليج وممراته البحرية ترفع كلفة الوقود والشحن والتأمين والغذاء، وغالباً ما تتحمل الاقتصادات الأفقر النسبة الأكبر من الخسارة. ومن هذه الزاوية، لا يمثل بيان بريكس تعاطفاً سياسياً فقط؛ إنه دفاع عن مصالح دول نامية تخشى أن تنتقل فاتورة الحرب إليها عبر التضخم والعملة والديون.

مع ذلك، لا يتضمن الإعلان، بحسب ما نشرته الصحيفتان، مبعوثاً مشتركاً أو إطار تفاوض أو مهلاً زمنية أو آلية للتحقق. وهذه ليست تفاصيل ثانوية: الوساطة تبدأ عندما يتحول النداء العام إلى مسار يحدد الأطراف والضمانات وتسلسل الخطوات وطريقة معالجة الخرق. من دون ذلك يبقى بريكس منصة ضغط معنوي ومكاناً لتبادل الرسائل أكثر منه مؤسسة تنفيذ.

توجد أيضاً معضلة الحياد. إذا أرادت الكتلة الاحتفاظ بإيران داخل الإجماع، فقد تتجنب لغة تحملها مسؤولية محددة؛ وإذا تجنبت تحديد المسؤوليات في كل مرة، فسوف تضعف ثقة خصوم طهران بقدرتها على الوساطة. الحل لا يتطلب بيان إدانة مسبقاً، لكنه يتطلب قواعد عملية تنطبق على الجميع: حماية الملاحة، وعدم استهداف البنية المدنية، وقبول قناة اتصال، وآلية مستقلة لتثبيت الوقائع.

يمكن قياس انتقال بريكس من البيان إلى الفعل بأربع إشارات: تعيين ممثل يحظى بقبول الأطراف، تحديد جولة محادثات وموضوعاتها، تقديم مقترحات ملموسة لخفض التصعيد، وربط المساعدة الاقتصادية أو تسهيلات التجارة بالتزامات قابلة للمراقبة. غياب هذه الإشارات يعني أن التوافق السياسي لم يتحول بعد إلى وساطة.

ولا ينبغي التقليل من قيمة القناة لمجرد ضعف أدوات الإلزام. في الأزمات الإقليمية، قد تكون قدرة دولة على حمل رسالة أو اختبار صيغة قبل إعلانها جزءاً مهماً من خفض المخاطر. لكن الفرق كبير بين تسهيل الاتصال وبين ضمان السلام، وبين تمثيل الجنوب العالمي وبين امتلاك منظومة أمن جماعي.

الخلاصة أن إعلان نيودلهي حقق إنجازاً محدوداً لكنه حقيقي: جمع داخل نص واحد إيران والإمارات ودولاً كبرى متنافسة على أولوية وقف التصعيد. أما الاختبار التالي فهو تحويل الحد الأدنى اللغوي إلى حد أدنى عملي. إذا بقيت الوساطة بلا مبعوث ولا جدول ولا ضمانات، سيكون بريكس شاهداً على القلق العالمي؛ وإذا بنى قناة قابلة للقياس فقد يبدأ في إثبات أن اتساع عضويته مصدر نفوذ لا سبب دائم للشلل.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في فايننشال تايمز ورويترز باسم لم يظهر اسم كاتب فايننشال تايمز في النسخة المفتوحة؛ ساريتا تشاغانتي سينغ لرويترز بتاريخ 12 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

فايننشال تايمز وأسوشيتد برساليوم التالي لـ«اليونيفيل»: هل يملأ الجيش اللبناني الفراغ أم يعود الجنوب إلى منطق الردع؟قراءة التقرير ←شومريم عبر يديعوت أحرونوت ـ واينتمن فتيان خارج المدرسة إلى أذرع للبؤر: كيف تستغل مزارع المستوطنين القاصرين في الضفة؟قراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية