تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
«نازا» ومنظومة القتل عن بُعد: ماذا تكشف شهادات العسكريين الإسرائيليين عن استهداف غزة؟
قراءة موسعة في فيلم يوثق شهادات 24 ضابطا وجنديا عن الذكاء الاصطناعي ومراقبة الهواتف وتقدير الضحايا المدنيين، مع فصل صارم بين ما يؤكده عرض الفيلم وما يبقى ادعاء يحتاج إلى تحقيق مستقل ومساءلة قضائية.
لا يقدم فيلم «نازا» صورة أخرى للدمار في غزة بقدر ما يحاول فتح الغرفة التي سبقت الضربة: كيف جُمعت البيانات، وكيف اقترحت الأنظمة أهدافا، ومن قرر أن الكلفة المدنية مقبولة. التحقيق الذي نشرته الغارديان في 10 سبتمبر 2026، من إعداد إيما غراهام هاريسون وزان بروكس، والتغطية المستقلة التي قدمها كريسبيان بالمر لرويترز في اليوم نفسه، يجعلان الفيلم وثيقة صحفية وسياسية تتطلب قراءة دقيقة لا حكما متعجلا.
الفيلم من إخراج الصحفيين والمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، وعرض في مهرجان البندقية السينمائي ضمن المنافسة على الأسد الذهبي. وتقول الغارديان، وهي جهة مشاركة في إنتاجه، إنه يستند إلى مقابلات مع 24 ضابط استخبارات وجنديا إسرائيليا شاركوا في المراقبة أو الاستهداف والقتل عن بعد. صورت المقابلات ليلا في تل أبيب مع تغيير الوجوه والأصوات لحماية الهوية.
اسم «نازا» مأخوذ، بحسب التغطيتين، من اختصار عسكري إسرائيلي يشير إلى عدد المدنيين المتوقع قتلهم في الضربة. هذه المعلومة لا تعني أن كل استخدام لتقدير الضرر غير قانوني؛ الجيوش مطالبة بتقدير الأذى العرضي قبل الهجوم. السؤال القانوني والأخلاقي هو كيف يحسب الرقم، وما دقة البيانات، وما الميزة العسكرية المتوقعة، وهل يرفض الهجوم عندما تكون الخسارة المدنية مفرطة.
بحسب الشهادات التي يعرضها الفيلم، استخدمت منظومات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل كم كبير من بيانات الهواتف المخترقة وتحديد أشخاص يشتبه في صلتهم بحماس. وقال ضباط إن رصد عبارة عائلية على هاتف طفل، تفيد بعودة الأب إلى المنزل، يمكن أن يسهم في إطلاق ضربة. هذه تفاصيل منسوبة إلى مصادر مجهولة في الفيلم، ولم تتحقق رويترز منها بصورة مستقلة في المادة المنشورة.
تقول الشهادات أيضا إن النظام كان يفضل أحيانا استهداف المشتبه بهم داخل منازلهم، أي في مساحة يوجد فيها الزوج أو الزوجة والأطفال، وإن تقديرات كبيرة للضحايا كانت تقبل في بعض الهجمات. وتورد الغارديان روايات عن تدمير أحياء بقي فيها نحو ربع السكان، وعن إحراق منازل وقتل مدنيين قرب موقع لتوزيع الغذاء. يجب إبقاء هذه الوقائع في صيغة الادعاء المنسوب إلى الفيلم إلى أن تفحص الأدلة التفصيلية جهة مستقلة.
لكن الفيلم لا يظهر في فراغ. فقد نشرت الغارديان ومجلتا +972 و«مكالمة محلية» في أبريل 2024 تحقيقا مبنيا على شهادات ستة ضباط عن قاعدة «لافندر»، قيل إنها صنفت في مرحلة ما نحو 37 ألف شخص كأهداف محتملة. وأفاد التحقيق السابق بأن المراجعة البشرية لبعض الترشيحات اختصرت إلى ثوان، وأن حدودا مسبقة للضحايا المدنيين طبقت على فئات من الأهداف منخفضة الرتبة.
رد الجيش الإسرائيلي آنذاك بأن «لافندر» قاعدة بيانات لتجميع طبقات المعلومات وليست قائمة تلقائية لمقاتلين مؤكدين، وأن المحللين مطالبون بمراجعة مستقلة، وأن كل ضربة تخضع لتقييم الميزة العسكرية والضرر المتوقع وفق مبدأ التناسب. كما رفض الجيش القول بوجود سياسة لقتل عشرات الآلاف في منازلهم. وعند نشر تقرير رويترز عن «نازا»، لم يكن الجيش قد رد بعد على طلب الوكالة للتعليق على الفيلم.
هذه المواجهة بين الروايتين تحدد معيار التحقق. لا يكفي أن تقول المؤسسة إن الإنسان ما يزال في الحلقة إذا كانت مهمته تصديق اقتراح الآلة بسرعة ومن دون بحث مستقل؛ وفي المقابل لا يكفي وصف النظام بالذكاء الاصطناعي لإثبات أنه اتخذ قرار القتل وحده. المساءلة تحتاج إلى معرفة مصدر البيانات، ونسبة الخطأ، وزمن المراجعة، وسلسلة الموافقات، وسجل الضربات التي ألغيت بسبب خطرها على المدنيين.
تكمن خطورة الأتمتة في السرعة والحجم. يستطيع محلل بشري بناء عدد محدود من ملفات الأهداف، بينما يمكن لنظام إحصائي تصنيف آلاف الأشخاص وإعادة ترتيبهم فور وصول بيانات جديدة. هذه القدرة لا تجعل النتيجة أدق بالضرورة؛ قد تضاعف خطأ في الفرضيات أو التدريب عبر قاعدة كاملة، وتحول الاشتباه الضعيف إلى سلسلة عمليات سريعة يصعب تتبع مسؤولية كل واحدة منها.
وتظهر مشكلة ثانية في مراقبة الحياة العائلية. إذا كان وجود الشخص في المنزل يستخدم مؤشرا لتوقيت الضربة، فإن المدنيين لا يعودون ضررا عرضيا غير متوقع، بل يصبح وجودهم معلوما داخل حساب التنفيذ. عندها يصبح فحص التناسب أكثر صرامة، ويصعب الدفاع عن قرار يستهدف شخصا منخفض الرتبة في لحظة يمكن توقع وجود أسرته فيها إذا كان ممكنا اختيار وقت أو وسيلة أقل ضررا.
أما المناطق المحظورة غير المعلنة التي يصفها الفيلم فتطرح سؤال التمييز. لا يمكن افتراض أن كل شخص دخل مساحة رسمها الجيش سرا مقاتل أو هدف مشروع. تقول رويترز إن أكثر من 400 فلسطيني قتلوا أثناء طلب المساعدة وفق الأمم المتحدة في العام السابق، وإن إسرائيل أقرت بإصابة مدنيين قرب مراكز توزيع وقالت إنها عدلت قواعد الاشتباك. الرقم وسياقه يدعمان ضرورة التحقيق، لكنهما لا يثبتان وحدهما كل واقعة يوردها الفيلم.
اختيار المخرجين تصوير الشهود على أسطح تل أبيب، مع إبقاء مشاهد دمار غزة إلى نهاية الفيلم، يحمل حجة سينمائية واضحة: الحياة اليومية تستمر على بعد نحو ستين كيلومترا من مكان تعمل فيه المنظومة التي يتحدث عنها الضباط. هذا بناء فني وتفسيري، لا دليل مستقل، لكنه يحاول نقل السؤال من صورة الانفجار إلى المسافة الاجتماعية والسياسية التي تسمح باستمرار النظام.
يحذر التقرير من تحويل الضابط المجهول إلى شاهد كامل العصمة. إخفاء الهوية قد يكون ضروريا لحماية المصدر، لكنه يمنع الجمهور من تقييم المنصب والدافع والسجل. لذلك تزداد مسؤولية المنتجين في حفظ المواد الأصلية، ومطابقة الروايات مع سجلات العمليات والاتصالات والصور، وتقديمها مستقبلا إلى تحقيقات ذات صلاحية قانونية مع حماية المصادر.
في الوقت نفسه، يكتسب تعدد الشهود وزيادة عددهم من ستة في تحقيق 2024 إلى 24 في الفيلم أهمية تراكمية. التشابه بين أوصاف أشخاص من وحدات ووظائف مختلفة قد يكشف نمطا مؤسسيا، خصوصا إذا دعمه أثر رقمي أو أوامر مكتوبة. لكنه يظل بداية لمسار الإثبات لا نهايته؛ الفيلم الصحفي يثير أسئلة قوية، والمحكمة تحتاج إلى نسب أفعال محددة إلى قرارات وأشخاص وأضرار موثقة.
الذكاء الاصطناعي لا يعفي القائد ولا المبرمج ولا المحلل. حتى لو كان النظام مجرد أداة ترتيب للمعلومات، يبقى البشر مسؤولين عن اختيار البيانات التي تدخله، وتعريف من يعد هدفا، وضبط العتبة، ومراجعة النتيجة، وإجازة السلاح. وصف القرار بأنه تقني قد يوزع المسؤولية بين حلقات كثيرة، لكنه لا يلغيها قانونيا أو أخلاقيا.
بالنسبة إلى الدول التي تزود إسرائيل بالسلاح أو البرمجيات أو البنية السحابية، تفتح الشهادات سؤال العناية الواجبة. ليس كل عقد تقني مرتبطا مباشرة بضربة، ولا يجوز افتراض ذلك بلا دليل. لكن ظهور نمط جدي من الادعاءات يوجب فحص الاستخدام النهائي، وضمان ألا تسهم الأدوات في انتهاك قواعد التمييز والتناسب، وحفظ سجلات تسمح بالمراجعة اللاحقة.
الخلاصة أن قيمة «نازا» لا تتوقف على التصفيق الطويل الذي تلقاه في البندقية، بل على قدرته على تحويل شهادات سرية إلى أدلة قابلة للفحص. الوقائع الثابتة الآن هي وجود الفيلم، وهوية مخرجيه، وعدد الشهود وطبيعة الادعاءات التي نقلتها صحيفتان دوليتان، مع رد إسرائيلي سابق ينفي جوهر بعض المزاعم وغياب رد فوري على الفيلم الجديد. أما الحكم على قانونية الضربات ومسؤولية الأفراد فيحتاج إلى ملفات الأهداف وسجلات القرار وتحقيق مستقل. لهذا يمثل الفيلم بداية مساءلة أكثر مما يمثل خاتمتها.