تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
حين يصبح زيت المحركات دواءً: كيف يخنق انهيار الطاقة مستشفيات غزة ومنازلها؟
تقرير موسع في الحلقة الأقل ظهورا من أزمة غزة: مولدات تعمل أربعة أضعاف مدة الصيانة، ومستشفيات تقنن الكهرباء، وسوق خاصة تحول الطاقة اللازمة للعلاج والماء إلى خدمة لا يقدر عليها معظم النازحين.
لا تبدأ أزمة الكهرباء في غزة عند انطفاء المصباح، بل عند توقف جهاز التنفس أو مضخة الماء أو سيارة الإسعاف. تحقيق ميداني نشرته رويترز في 10 سبتمبر 2026، وأعده نضال المغربي وحسيب الوزير وداود أبو الكاس، يلفت إلى طبقة خفية من الحصار الطاقي: حتى عندما يتوافر وقود محدود، قد تتعطل المولدات لأن زيت المحركات وقطع الغيار لا تصل بالكميات اللازمة.
الواقعة المركزية في التقرير هي وضع مجمع ناصر الطبي في خان يونس، أحد أكبر المستشفيات التي ما تزال تعمل في القطاع. قال طبيب الباطنة أحمد النبريص للوكالة إن مولدا من أربعة خرج من الخدمة، وإن المولدين الأكبر بين الثلاثة الباقية يتعرضان لضغط شديد. واضطر المستشفى إلى قطع الكهرباء بالتناوب بين مبانيه، بما يجعل توقيت العلاج مرتبطا بجدول الطاقة لا بالحاجة الطبية وحدها.
تكشف أرقام الصيانة حجم الخطر. يفترض تغيير زيت المولد بعد نحو 250 ساعة تشغيل، لكن النقص أجبر الفنيين على تمديد الفترة إلى قرابة ألف ساعة، أي أربعة أمثال الدورة المعتادة. هذا ليس تفصيلا فنيا: الزيت يحمي المحرك من الاحتكاك والحرارة، وتأخير تغييره يرفع احتمال العطل المفاجئ في منظومة لا تملك احتياطيا كافيا ولا شبكة كهرباء يمكن العودة إليها.
منذ قطع إمداد الشبكة في أكتوبر 2023، تحولت المولدات من حل احتياطي إلى بنية كهرباء أساسية. والآلة المصممة لساعات طوارئ محدودة صارت تعمل لفترات متواصلة على مدى سنوات. لذلك يجب فهم أزمة الطاقة في غزة باعتبارها تراكما بين الوقود والصيانة والعمر التشغيلي والأضرار السابقة، لا مجرد سؤال عن عدد لترات الديزل التي تعبر الحدود في يوم واحد.
تورد رويترز أن المنظومة الكهربائية في ناصر تعرضت لأضرار متكررة منذ عملية عسكرية إسرائيلية مطلع 2024، وأن نظام الطاقة الشمسية دمر ولم يستبدل، وفقد المستشفى مولدا رئيسيا وآخر احتياطيا. هذه وقائع منسوبة إلى إدارة المستشفى. أما الموقف الإسرائيلي فيقول إن المسلحين استخدموا مستشفيات في غزة قواعد لهم، وهي حجة تستعملها إسرائيل لتفسير بعض العمليات، لكنها لا تلغي الالتزامات الخاصة بحماية المرضى والمنشآت الصحية.
الأثر الطبي فوري. مرضى التليف الرئوي ومن يحتاجون إلى أجهزة التنفس أو الرذاذ ينتظرون عودة الكهرباء بين الأقسام. وفي غرف العمليات والعناية المركزة والمختبرات، لا يمكن اختزال الطاقة في الراحة الحرارية؛ إنها شرط للتعقيم وحفظ الدم والأدوية وتشغيل الأكسجين والمراقبة المستمرة. ولهذا يمكن لعطل مولد أن ينتج وفيات لا تظهر في سجل الغارات المباشرة.
تؤكد منظمة أطباء بلا حدود، وفق بيان نقلته رويترز، أن نقص الزيت وقطع الغيار لا يضرب المستشفيات فقط، بل سيارات الإسعاف ومضخات المياه وصهاريج التوزيع أيضا. المعنى البنيوي أن المولد الواحد يقع في قلب سلسلة خدمات: إذا تعطل، قد ينخفض ضخ الماء، وتتراجع النظافة، وتتعطل حركة المصاب، ثم يزيد العبء على المستشفى نفسه. الطاقة هنا شبكة صحة عامة كاملة.
تقول الوكالة إن المنظمات الإنسانية اضطرت إلى شراء الإمدادات من السوق المحلية، حيث أفاد سكان بأن سعر لتر زيت المحركات قفز من نحو ثلاثة دولارات قبل الحرب إلى ما يصل إلى 1300 دولار. ينبغي التعامل مع الرقم بوصفه سعرا أبلغ عنه السكان في سوق ندرة شديدة، لا متوسطا رسميا مستقرا. لكنه يوضح كيف تحول جزء صغير ورخيص نسبيا من دورة الصيانة إلى عنق زجاجة يفوق ثمنه قدرة المؤسسات والأسر.
داخل الأحياء، ارتفعت كلفة الكهرباء المباعة من مولدات خاصة بنحو عشرين ضعفا خلال أشهر، بحسب السكان الذين قابلتهم رويترز. ومع بقاء ما لا يقل عن ثلثي سكان القطاع، البالغ عددهم قرابة مليوني نسمة، في أكثر من ألف موقع نزوح وفق سجلات فلسطينية وأممية أوردتها الوكالة، تصبح الكهرباء سلعة تفرز الناس على أساس الدخل وسط مجتمع فقد معظم مصادر دخله ومساكنه.
المشكلة ليست أن الأسر تختار بين إنارة وترف آخر. المريض الذي يحتاج إلى أكسجين منزلي، والطالب الذي يعتمد على هاتف للوصول إلى المعلومات، والأسرة التي تحتاج إلى شحن وسيلة اتصال أو تشغيل مضخة صغيرة، يشترون دقائق من القدرة على البقاء والتواصل. وحين يتنافس الغذاء والماء والدواء والكهرباء على دخل شبه معدوم، تصبح كل ساعة تشغيل قرارا قاسيا بشأن أي حاجة تؤجل.
تقول هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الجهة العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في الدخول إلى غزة، إن آلية منسقة مع المجتمع الدولي تسمح بإدخال زيت المحركات وقطع المولدات وسيارات الإسعاف ومعدات المستشفيات تحت الرقابة، لمنع وصول تجهيزات متقدمة إلى حماس وضمان بلوغها السكان. هذا هو الموقف الرسمي الواجب إثباته إلى جانب شهادات النقص، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال الكميات والانتظام والمدة اللازمة للوصول إلى المنشآت.
الفارق بين وجود آلية وبين كفايتها هو جوهر التقرير. يمكن لسلعة أن تكون مدرجة نظريا ضمن المسموح وأن تبقى نادرة عمليا بسبب الموافقات البطيئة أو الكميات المحدودة أو صعوبة النقل والتوزيع. والمقياس المناسب ليس عدد الشاحنات أو التصاريح، بل عدد المولدات العاملة، ومخزون أيام التشغيل، وقدرة المستشفيات على الالتزام بدورات الصيانة من دون تقنين يعرض المرضى للخطر.
رغم وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر 2025 وأنهى القتال واسع النطاق، تقول رويترز إن القيود والأزمة الإنسانية والطاقة استمرت، كما استمرت هجمات متفرقة والخلافات حول نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي. تكشف الكهرباء هنا محدودية تعريف الهدنة بالانخفاض العسكري فقط: إذا بقيت البنية الحيوية عاجزة عن التعافي، يظل السكان داخل حالة طوارئ دائمة.
من منظور السياسات، لا تكفي استجابة تعتمد على شحنات وقود إسعافية. الأولوية القصيرة هي مخزون محمي من الوقود والزيوت والفلاتر وقطع الغيار، مع قوائم منشآت شفافة ومراقبة مستقلة لمسار التسليم. والأولوية المتوسطة هي إعادة أنظمة الطاقة الشمسية الموزعة وربطها بتخزين مناسب، لأن الاعتماد الكامل على مولدات مستهلكة يعيد إنتاج الأزمة مع كل تعطل أو تأخير على المعابر.
كما يحتاج تقييم الضرر إلى احتساب الأعطال غير المرئية: ساعات التشغيل الضائعة، والأجهزة الطبية التي قصرت أعمارها بسبب تذبذب التيار، والمياه التي لم تضخ، والإجراءات الطبية التي أجلت. هذه الخسائر لا تظهر كلها في صور الدمار، لكنها تحدد قدرة المجتمع على التعافي وقد ترفع فاتورة الإعمار والصحة لسنوات.
الخلاصة أن زيت المحركات صار في غزة جزءا من سلسلة الدواء. يبين تحقيق رويترز أن الطاقة لم تعد ملف بنية تحتية منفصلا، بل شرطا للعلاج والماء والإسعاف والحياة المنزلية. وبين آلية إسرائيلية تقول إنها تسمح بالإمدادات وشهادات ميدانية عن مولدات تتآكل وأسعار انفجرت، يجب أن ينتقل النقاش من التصريحات إلى نتائج قابلة للقياس: هل تعمل المستشفيات بلا قطع متناوب؟ وهل تستطيع الأسر الحصول على حد أدنى من الكهرباء من دون التضحية بالغذاء والدواء؟