SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

عقوبات يرحب بها إسرائيليون: متى تصبح مواجهة الاستيطان دفاعا عن مستقبل إسرائيل؟

تقرير موسع في ترحيب شخصيات إسرائيلية سياسية وأمنية وأكاديمية بالعقوبات البريطانية على الاستيطان، وفي الفجوة بين اعتراض النخب واتجاهات الجمهور، وقدرة القيود المالية على تجاوز رمزية حظر السلع.

نادرا ما تستقبل مجموعة من الوزراء والدبلوماسيين والقادة العسكريين الإسرائيليين السابقين عقوبات أجنبية بوصفها مساعدة لبلادهم. لكن تقرير إيما غراهام هاريسون في الغارديان، المنشور مساء 9 سبتمبر 2026، يرصد هذا الموقف تحديدا: شخصيات من المؤسسة السياسية والأمنية والعلمية اعتبرت القيود البريطانية على الاستيطان وعنف المستوطنين نتيجة متوقعة لفشل الحكومة وأجهزة إنفاذ القانون، وخطوة قد تحمي مستقبل إسرائيل بدلا من استهداف شرعيتها.

الموقف صدر في بيان وقعه، بحسب الصحيفة، رئيس أكاديمية إسرائيل للعلوم والإنسانيات ديفيد هارئيل، ورئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، والقائد السابق للجيش دان حالوتس، ووزيران سابقان وسفير سابق لدى ألمانيا. جوهر حجتهم أن العقوبات موجهة إلى أفراد وشبكات وسياسات مرتبطة بالعنف والاستيطان، لا إلى وجود إسرائيل. هذه وجهة نظر مجموعة مؤثرة، لكنها لا تمثل إجماعا إسرائيليا ولا قرارا رسميا.

تكمن جدة المادة في أنها تنقل النقاش من سؤال ما إذا كانت لندن تضغط على إسرائيل إلى سؤال من داخل إسرائيل: هل استمرار الحماية السياسية والقانونية للمستوطنين المتطرفين يضر بأمن الدولة وهويتها؟ مؤيدو العقوبات في التقرير يقولون إن منع الضم والتهجير يخدم رؤيتهم لإسرائيل كدولة ذات أغلبية يهودية ونظام ديمقراطي. الاعتراض هنا لا يصدر عن خصوم الصهيونية فقط، بل عن شخصيات ترى أن الاحتلال الدائم يقوض المشروع الذي تريد حمايته.

مع ذلك، تكشف البيانات اتساع المسافة بين هذه النخبة وقطاع كبير من الجمهور اليهودي. أظهر مؤشر معهد سياسات الشعب اليهودي لأغسطس أن 38 في المئة من اليهود الإسرائيليين يفضلون ضم الضفة كلها، بينما اختار 35 في المئة أحد أشكال التقسيم. وداخل معسكر الضم اختار 22 في المئة ضم الأرض مع انتقال السكان العرب إلى دول أخرى. هذه النتائج تخص عينة استطلاع، ولا تعني أن كل مؤيد للضم يؤيد عنف المستوطنين، لكنها تفسر لماذا لا يتحول بيان شخصيات بارزة تلقائيا إلى أغلبية سياسية.

يضيف الاستطلاع مفارقة ديموغرافية. قال 60 في المئة من اليهود الإسرائيليين إن الحفاظ على أغلبية يهودية أهم من الاحتفاظ بكل الأرض إذا تعارض الهدفان، لكن 55 في المئة يريدون بقاء جميع التجمعات اليهودية في الضفة تحت السيادة الإسرائيلية. يمكن الجمع بين الرغبتين نظريا عبر فصل جغرافي معقد أو حرمان الفلسطينيين من حقوق متساوية، ولهذا تبقى صيغة الضم من دون مواطنة كاملة حاضرة في النقاش.

أما العقوبات البريطانية فتعمل على مستويين مختلفين. حظر السلع القادمة من المستوطنات يحمل رسالة قانونية وسياسية، لكن قيمة الصادرات من الأراضي المحتلة إلى بريطانيا بلغت، وفق مسؤول تجاري إسرائيلي نقلت عنه الغارديان، نحو 45 مليون دولار فقط من تجارة ثنائية في السلع والخدمات قيمتها 4.4 مليارات. لذلك لن يغير حظر الواردات وحده الاقتصاد الإسرائيلي أو يوقف البناء بسرعة.

المستوى الثاني أكثر حساسية: استهداف الشركات التي تمول الاستيطان أو تبنيه أو تؤمنه أو تسوقه. إذا صيغت القواعد على نحو واسع وقابل للتنفيذ فقد تواجه المصارف وشركات التأمين الإسرائيلية مفاضلة بين عملياتها في بريطانيا وعلاقاتها بالمشروعات الواقعة في الأراضي المحتلة. هنا تنتقل العقوبة من رف المتجر إلى الائتمان والتأمين، وهما شريانان لا يستطيع البناء التوسع من دونهما.

لكن هذا الأثر المحتمل ليس واقعة مكتملة بعد. توضح الغارديان أن لندن لم تنشر عند صدور المادة كل التفاصيل التنفيذية المتعلقة بالشركات، وأن التطبيق يحتاج إلى تعريف دقيق للنشاط المحظور وآليات تدقيق وعقوبات على المخالفة. لذلك يجب الفصل بين إعلان سياسي قوي وبين نظام امتثال قادر فعلا على تغيير قرار مصرف أو مقاول.

تضاعفت الرسالة لأن فرنسا وكندا أعلنتا خططا لقيود تجارية، وساندت دول أوروبية أخرى الاتجاه نفسه، بينما لم يصدر اعتراض علني من كبار مسؤولي إدارة ترامب بعد إبلاغ واشنطن مسبقا، بحسب الغارديان. اتساع المجموعة لا يصنع تلقائيا حصارا اقتصاديا، لكنه يقلل قدرة الحكومة الإسرائيلية على تصوير القرار بوصفه نزاعا ثنائيا مع وزير بريطاني واحد.

الرد الإسرائيلي الرسمي اتخذ مسارا تصعيديا: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، إنهاء دور بريطاني في ترتيبات تنسيق مرتبطة بغزة، وقف تدريب بريطاني لقوات أمن السلطة الفلسطينية، ومنع شخصيات بريطانية من الدخول، وفق رويترز. هذه الإجراءات لا تقع على المستوطنين وحدهم؛ بعضها يمس القنوات المخصصة للفلسطينيين وإدارة ما بعد الحرب، ما يوضح أن كلفة الرد قد تنتقل إلى أطراف لم تصنع القرار البريطاني.

تطرح الحكومة الإسرائيلية العقوبات بوصفها تدخلا في الانتخابات المقررة أواخر أكتوبر، ويمكن لنتنياهو استخدامها لتغذية رواية أن الخارج يعاقب إسرائيل لا سياسات بعينها. غير أن المحللة داليا شايندلن قالت للغارديان إن تأثيرها الانتخابي المباشر مرجح أن يكون ضعيفا، لأن الناخبين أكثر انشغالا بالقضايا الداخلية، ولأن كل معسكر سيقرأ القرار من داخل موقفه المسبق.

هذا التقدير يفسر حدود الضغط الخارجي. مؤيد الحكومة قد يرى العقوبات دليلا على عداء دولي، ومعارضها قد يراها نتيجة لعزلة صنعتها سياسات نتنياهو؛ وفي الحالتين لا ينتقل الناخب بالضرورة إلى معسكر آخر. كما أن المرشحين الإسرائيليين الرئيسيين يرفضون إقامة دولة فلسطينية، وفق التقرير، ما يعني أن الاختلاف الحزبي لا يساوي انقساما متوازنا بين الضم وحل الدولتين.

في المقابل، تصبح قيمة الموقف الإسرائيلي المؤيد للعقوبات أخلاقية وقانونية أكثر من كونها انتخابية. أربع عشرة منظمة حقوقية إسرائيلية، بينها بتسيلم وأطباء لحقوق الإنسان وكسر الصمت، رحبت بالإجراءات ودعت إلى مزيد من التدابير التي تمنع العلاقات الدولية من تسهيل الاستيطان والتهجير. إسناد هذه الدعوة إلى منظمات تعمل داخل إسرائيل يضعف الخلط بين انتقاد الاستيطان والعداء لليهود أو لإسرائيل.

لا ينبغي مع ذلك جعل الأصوات الإسرائيلية المؤيدة شرطا للاعتراف بحقوق الفلسطينيين. عدم قانونية المستوطنات وحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال لا تستمد شرعيتها من موافقة قائد عسكري سابق أو أكاديمي إسرائيلي. أهمية هذه الأصوات عملية: إنها تكشف أن النقاش ليس بين إسرائيل والخارج فقط، وأن السياسات الحكومية محل اعتراض داخلي يتعلق بالأمن والقانون وشكل الدولة.

المعيار الحاسم لنجاح العقوبات سيكون السلوك لا الخطاب: هل تنسحب شركات من تمويل البؤر؟ هل تغير المصارف سياسات المخاطر؟ هل يتباطأ البناء أو الاستيلاء على الأرض؟ وهل تتسع القيود إلى منظومة الدعم الحكومي بدلا من الاكتفاء بأفراد يسهل استبدالهم؟ من دون إجابات قابلة للقياس قد تتحول الحزمة إلى رمز دبلوماسي قوي وأثر ميداني محدود.

الخلاصة أن الترحيب الإسرائيلي بالعقوبات لا يعني انقلاب الرأي العام على الاستيطان؛ إنه علامة على انقسام أعمق بشأن الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل السيطرة الدائمة على الضفة. ترى نخبة أمنية وسياسية وأكاديمية أن الضغط الخارجي يساعدها حيث فشلت المؤسسات الداخلية، بينما تميل قطاعات واسعة إلى الضم أو إبقاء المستوطنات. بين الاتجاهين ستتحدد قيمة الخطوة البريطانية: إما بداية لتحويل الاحتلال إلى كلفة مالية وقانونية، أو مادة جديدة في معركة انتخابية لا تغير الوقائع على الأرض.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في الغارديان باسم إيما غراهام هاريسون بتاريخ 9 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←Financial Timesمن الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية: نقل الشرطة في الضفة كخطوة ضم بلا إعلانقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية