تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
من صنعاء إلى بوابتي البحر: كيف أصبح الحوثيون قوة ضغط مستقلة وشريكا لإيران؟
تقرير موسع في عودة الهجمات الحوثية على السعودية، وفي تداخل حسابات الحرب اليمنية مع استراتيجية إيران والضغط المتزامن على باب المندب وهرمز، والمأزق الأمني والاقتصادي الذي يواجه الرياض.
تبدو عودة الصواريخ والطائرات المسيرة من اليمن إلى السعودية حدثا في حرب قديمة، لكن توقيتها يمنحها معنى إقليميا جديدا. شرح نشرته أسوشيتد برس في 9 سبتمبر 2026، من إعداد فاطمة خالد وأحمد الحاج وجوزيف كراوس، يبين أن الحوثيين صاروا قادرين على تشغيل ضغط مزدوج: تهديد منشآت وممرات سعودية لأسباب يمنية مباشرة، وخدمة حاجة إيران إلى فتح جبهة إضافية بينما تضغط في مضيق هرمز.
الوقائع تبدأ من 2014 حين سيطر الحوثيون على صنعاء ومناطق واسعة في شمال ووسط اليمن، ثم تدخل التحالف بقيادة السعودية في 2015 دعما للحكومة المعترف بها دوليا. خفت المعارك الواسعة بعد هدنة 2022 التي صمدت إلى حد كبير من دون تسوية سياسية شاملة. بذلك لم تنته الحرب؛ تجمدت خطوطها وبقي السلاح والخصومات والحصار والتدهور الإنساني في مكانها.
بعد حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023 نقل الحوثيون جزءا من قوتهم إلى البحر الأحمر وإسرائيل. بين نوفمبر 2023 وديسمبر 2024 استهدفوا أكثر من مئة سفينة تجارية بالصواريخ والمسيرات، وأغرقوا سفينتين وقتلوا أربعة بحارة، وفق حصيلة أسوشيتد برس. قالوا إن الحملة تحاصر إسرائيل، لكن الوكالة تشير إلى أن معظم السفن المستهدفة لم تكن لها صلة معروفة بإسرائيل أو الحرب في غزة.
تراجعت الهجمات بعد موجات من الضربات الأميركية والإسرائيلية في 2025، لكنها لم تنزع القدرة الحوثية. البنية المطلوبة لإطلاق مسيرة أو صاروخ متنقل أقل كلفة وأسهل إخفاء من شبكة الموانئ والمصافي والدفاع الجوي التي تحاول حمايتها. لذلك تستطيع الضربات تقليل الوتيرة وتدمير مخازن وقادة، من دون ضمان إنهاء التهديد إذا بقيت المعرفة وخطوط الإمداد والسلطة المحلية.
عاد التصعيد مع السعودية في يوليو 2026 بعد ضربة على مطار صنعاء قالت الجماعة إنها منعت رحلة قادمة من إيران. ثم وسع الحوثيون هجماتهم وأعلنوا حصارا على الملاحة السعودية. وفي 8 سبتمبر استهدفت موجة جديدة منشآت نفطية واقتصادية ومدنا في جنوب المملكة وأصابت عشرات المدنيين، بحسب تقرير منفصل للوكالة. هذه الوقائع تجعل التفسير اليمني حاضرا: الجماعة تريد كسر القيود السعودية ورفع كلفة إبقاء مناطقها معزولة.
لكن الجغرافيا تربط الهدف المحلي بحرب إيران. السعودية تعتمد على خط أنابيب يعبر شبه الجزيرة إلى ساحل البحر الأحمر لتقليل اعتماد صادراتها على هرمز. حين تهدد إيران الممر الشرقي ويهدد الحوثيون باب المندب والموانئ والمنشآت الغربية، تضيق مساحة المناورة التي تمنح الرياض والعالم منفذا بديلا. لهذا تصف أسوشيتد برس باب المندب بأنه صمام تخفيف اكتسب أهمية أكبر منذ اضطراب هرمز.
باب المندب ليس بديلا مطابقا لهرمز، لكنه بوابة الطريق من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. تقول الوكالة إن الممر حمل في زمن السلم نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، وإن ممر البحر الأحمر كان يشهد مرور سلع بقيمة تقترب من تريليون دولار سنويا. هذه تقديرات لحجم الطريق قبل الاضطراب، لا قيمة الشحن الحالي بعد تحويل سفن كثيرة حول أفريقيا.
يمكن لهجوم محدود أن ينتج أثرا يتجاوز الضرر المادي. شركة الشحن أو التأمين لا تنتظر إصابة كل سفينة؛ يكفي ارتفاع احتمال الخطر كي تزيد الأقساط أو تغير المسار. الرحلة حول رأس الرجاء الصالح أطول وتستهلك وقودا وسفنا أكثر، فتنتقل الكلفة إلى المستورد والمستهلك. كما أن ضرب منشأة سعودية يرسل إشارة إلى سوق النفط حتى عندما تستمر الصادرات من مواقع أخرى.
العلاقة مع إيران تحتاج إلى صياغة أدق من وصف الجماعة بأنها مجرد وكيل ينفذ أمرا. الحوثيون جزء معلن من محور الجماعات المتحالفة مع طهران، وقد ضبطت شحنات أسلحة إيرانية في طريقها إلى اليمن رغم نفي إيران التسليح. لكنهم يملكون قيادة وأرضا وجباية وخصوما وحسابات شرعية محلية. يستطيع الطرفان أن يلتقيا على الهدف نفسه من دوافع مختلفة، وهو ما يجعل ردع الجماعة عبر الضغط على إيران وحدها غير مضمون.
تستفيد طهران من توزيع الضغط بين جبهات بعيدة. الهجوم القادم من اليمن يفرض على السعودية والولايات المتحدة إنفاق موارد دفاعية وحماية مسارات ومواقع كثيرة، ويخلق مساحة إنكار أكبر من الضربة الإيرانية المباشرة. وفي الوقت نفسه يستفيد الحوثيون من مظلة سياسية وتسليحية وخبرة تسمح لهم بتحويل مطلب رفع الحصار إلى قضية تمس الطاقة والتجارة العالميتين.
أما السعودية فتواجه معضلة واضحة. الرد الواسع قد يعيد حربا استنزفتها سنوات ويدمر هدنة كانت تريد تحويلها إلى تسوية، بينما ضبط النفس قد يشجع هجمات جديدة ويظهر أن منشآتها يمكن الضغط عليها. تستطيع الرياض ضرب منصات ومخازن وتعزيز الدفاع، لكنها تحتاج أيضا إلى قناة تفاوض تفصل مطالب اليمن عن حسابات المواجهة الأميركية الإيرانية.
للحرب كلفة يمنية لا يجوز أن تختفي خلف خرائط الممرات. تورد أسوشيتد برس تقديرا بمقتل نحو 150 ألف شخص خلال الصراع ودفع البلاد مرارا إلى حافة المجاعة، فيما عمق الحصار عزلة المناطق الخاضعة للحوثيين. كما تواجه الجماعة انتقادات بسبب احتجاز موظفين أمميين وعاملين في الإغاثة. هذه الوقائع تمنع تقديم أي طرف بوصفه ممثلا بلا منازع لمصلحة المدنيين.
الرأي التحليلي في شرح الوكالة هو أن الحوثيين تحولوا من فصيل يمني متمرد إلى قوة إقليمية معطلة، لكن هذا التحول لا يلغي أصل النزاع. قدرتهم على ضرب السفن والسعودية وإسرائيل تمنحهم ورقة تفاوض أكبر داخل اليمن، فيما يعزز استمرار الحرب اقتصاد السيطرة والتعبئة. لذلك قد تستخدم القيادة التصعيد الخارجي لترسيخ موقعها الداخلي بقدر ما تستخدمه لمساندة إيران.
الردع هنا غير متكافئ اقتصاديا. تكلفة المسيرة أو الصاروخ قد تكون أقل بكثير من تكلفة صاروخ الاعتراض ومن خسارة يوم إنتاج أو تحويل مسار ناقلة. المدافع يحتاج إلى حماية كل هدف في كل وقت، بينما يختار المهاجم نافذة وهدفا. لكن الحوثيين بدورهم معرضون لقوة جوية أكبر ولحصار أشد، ما يجعل التصعيد المتبادل قابلا لإنتاج خسائر واسعة من دون حسم سياسي.
المؤشرات الأهم في الأيام المقبلة هي وتيرة استهداف ناقلات النفط والموانئ السعودية، ونوع رد الرياض، وحركة السفن عبر باب المندب، واستئناف القتال البري مع القوات اليمنية الحكومية. كما يجب مراقبة التنسيق بين الحوثيين وفصائل عراقية وإيران؛ فارتفاع التزامن لا يثبت قيادة مركزية لكل عملية، لكنه يكشف قدرة المحور على توزيع الضغط في توقيت واحد.
الخلاصة أن الحوثيين أصبحوا شريكا لإيران يملك استقلالا محليا، لا ذراعا آلية ولا حركة يمنية منعزلة. هذا الموقع الوسيط هو مصدر قوتهم: يستطيعون تقديم الهجوم بوصفه ردا على حصار وحرب يمنية، بينما يغير أثره موازين هرمز والطاقة والتحالفات. وأي مسار لخفض الخطر يحتاج إلى معالجة المطالب اليمنية ووقف استخدام الممرات البحرية كساحة ضغط إقليمي معا؛ الاكتفاء بأحد المسارين يبقي الآخر قادرا على إشعال الجولة التالية.