SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

الدولار الرقمي في اقتصاد محاصر: كيف تحول إيران العملات المشفرة إلى طريق مواز للتجارة؟

تقرير موسع في تخفيف طهران قيود العملة الأجنبية وتشجيع التسوية عبر العملات المشفرة، وفي قدرة تيثر وبيتكوين على فتح قناة دفع خارج البنوك وحدود هذه القناة أمام التتبع والتجميد وحاجات التجارة الكبيرة.

لم يعد سؤال التجارة الإيرانية تحت العقوبات مقتصرا على العثور على مصرف وسيط أو شركة واجهة؛ فقد انتقل جزء منه إلى شبكة عامة تتحرك عليها عملات رقمية مرتبطة بالدولار. تقرير نشرته فايننشال تايمز في 9 سبتمبر 2026 يصف تحولا هادئا في سلوك البنك المركزي الإيراني: تخفيف غير معلن لبعض قيود العملة الأجنبية، وتشجيع الشركات على إعادة عائدات الصادرات وتسوية معاملات عبر أصول رقمية، وفي مقدمتها تيثر وبيتكوين.

الواقعة الأساسية، كما تنقلها الصحيفة عن رجال أعمال ومطلعين ومحللين، هي أن السلطات أصبحت تقبل مرونة أكبر في الطريقة التي يجلب بها المصدرون أموالهم أو يستخدمونها. يستطيع التاجر في بعض الحالات تمويل وارداته مباشرة من حصيلة صادراته، أو مبادلة العملة في السوق المفتوحة بدلا من السعر الرسمي، أو تمرير جزء من التسوية عبر منصة عملات مشفرة إيرانية. لم يصدر البنك المركزي تعليقا للصحيفة، لذلك يجب التعامل مع التغيير بوصفه ممارسة أبلغ عنها عدة أطراف لا لائحة رسمية منشورة بكل تفاصيلها.

لفهم الدافع، ينبغي العودة إلى نظام إعادة عائدات التصدير. كانت الشركات ملزمة بإعادة نسبة كبيرة من دخلها بالعملة الصعبة وبيعها عبر منصة حكومية بسعر يقل غالبا عن سعر السوق. صنع ذلك حافزا قويا لإبقاء الأموال في الخارج أو إدخالها من دون تصريح. وتنسب فايننشال تايمز إلى جهاز التفتيش الإيراني تقديرا بأن أكثر من عشرين ألف فرد وشركة لم يعيدوا ما يعادل 94 مليار يورو، وهو رقم رسمي إيراني عن التزامات غير مسواة وليس قياسا مستقلا للأموال القابلة للاسترداد.

هنا تؤدي العملة المستقرة وظيفة مختلفة عن المضاربة. تيثر، أو USDT، مصممة للحفاظ على قيمة قريبة من الدولار، ولذلك تمنح المصدر والمستورد وحدة حساب مألوفة وتسوية أسرع من التحويل المصرفي الذي قد يرفضه بنك أجنبي بسبب العقوبات. يستطيع طرف أن يحول القيمة إلى محفظة، ثم يبيعها مقابل عملة محلية أو يستخدمها لشراء سلعة في سوق أخرى. النتيجة ليست إنشاء دولار إيراني جديد، بل نقل جزء من الطلب على الدولار إلى نسخة رقمية تصدرها شركة خاصة.

بيتكوين يؤدي دورا آخر. يمكن لإيران تحصيله عبر التعدين مستفيدة من الطاقة المحلية الرخيصة، ثم استخدامه أو بيعه خارج النظام المصرفي. لكن تقلب سعره يجعله أقل ملاءمة لتسعير فاتورة تجارية قصيرة الأجل من عملة مستقرة. كما أن التعدين يحول الكهرباء إلى أصل قابل للنقل، لكنه لا يحل اختناقات الشبكة ولا يضمن سيولة تكفي فاتورة استيراد دولة كبيرة.

توضح الصحيفة أن مكاتب الصرافة في الدول المجاورة ما زالت القناة الرئيسية لإعادة الأموال، وأن العملات المشفرة تضيف خيارا ولا تستبدل النظام القائم. هذا التفريق مهم: تجارة النفط والصلب والمواد الغذائية تحتاج إلى تأمين وتمويل شحن واعتمادات وضمانات وتسوية نزاعات، لا إلى نقل القيمة وحده. تستطيع المحفظة الرقمية تنفيذ الدفع، لكنها لا تقوم تلقائيا مقام شبكة العلاقات القانونية والائتمانية التي توفرها البنوك.

حجم النشاط يؤكد أن القناة أصبحت مؤثرة من دون أن تصبح اقتصادا موازيا كاملا. تنقل فايننشال تايمز عن شركة TRM Labs أن ما يقارب عشرة مليارات دولار من العملات المشفرة تحرك عبر إيران في 2025. ويقدر تقرير تشيناليسس، بمنهجية مختلفة، أن المنظومة الإيرانية تجاوزت 7.78 مليارات دولار في العام نفسه. اختلاف الرقمين طبيعي لأن الشركتين لا تنسبان العناوين والمحافظ بالطريقة نفسها؛ لذلك يمثلان نطاقا تقديريا لا حسابا قوميا مدققا.

يجب أيضا الفصل بين استخدام الدولة واستخدام المواطنين. تقول تشيناليسس إن عناوين مرتبطة بشبكات تسهيل تابعة للحرس الثوري استحوذت على أكثر من نصف القيمة الواردة إلى الخدمات الإيرانية في الربع الأخير من 2025، وإنها تلقت أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال العام. في المقابل يلجأ أفراد إلى بيتكوين والعملات المستقرة لحماية مدخراتهم من التضخم وضعف الريال أو لتحويل أموال أسرية. وجود النشاطين على السلسلة نفسها لا يجعل كل مستخدم إيرانيا جزءا من برنامج الدولة.

الميزة التي تجعل العملات المشفرة قابلة للنقل هي نفسها التي تجعلها قابلة للرصد. غالبية سلاسل الكتل العامة تحفظ تاريخ الحركة بصورة دائمة؛ العنوان لا يحمل اسما ظاهرا، لكنه يصبح مكشوفا عندما تربطه منصة أو جهة إنفاذ أو شركة تحليل بشخص أو مؤسسة. لهذا لا تعني كلمة مشفرة أن المعاملة غير مرئية، بل إن الهوية تحتاج إلى تحليل وربط خارج السلسلة.

أما تيثر فليست أصلا لا يمكن توقيفه. في أبريل جمدت الشركة 344 مليون دولار من عملتها في محافظ قالت السلطات الأميركية إنها مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني، وفق ما أوردته فايننشال تايمز وتفاصيل تشيناليسس. تستطيع الجهة المصدرة للعملة المستقرة منع حركة وحدات محددة، وهي نقطة قوة للامتثال ونقطة ضعف لمن يعتمد عليها لتجاوز العقوبات. بذلك يصبح المسار أسرع من البنك، لكنه لا يصبح محصنا من قرار مركزي.

تدفع هذه المخاطر المستخدمين إلى تبديل العناوين واستخدام وسطاء ومنصات تداول خارجية وجسور بين السلاسل. غير أن كل طبقة جديدة ترفع العمولة ومخاطر الاحتيال وفقدان السيولة. كما أن أي شريك تجاري يقبل الأصل يحتاج في النهاية إلى تحويله إلى عملة أو سلعة؛ وعند بوابة التحويل تعود أسئلة الهوية والعقوبات والامتثال.

من وجهة نظر طهران، تخفيف القيود يحل مشكلتين في وقت واحد. فهو يجذب جزءا من عائدات بقيت خارج الدورة المحلية، ويمنح الشركات مساحة للحركة بينما تهدد واشنطن مصارف وشركات تتعامل مع إيران. لكنه يقلل في المقابل قدرة البنك المركزي على التحكم في سعر الصرف ومصدر التدفقات، ويعمق اقتصادا متعدد الأسعار والقنوات يصعب قياسه وإدارته.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، لا يكفي إدراج محفظة على قائمة العقوبات. تستطيع الأموال الانتقال إلى عنوان آخر خلال دقائق، بينما تحتاج الجهات الرقابية إلى إثبات الملكية وصلات الأطراف. لذلك يتجه الإنفاذ إلى البنية المحيطة: منصات التداول، الوسطاء خارج البورصة، مصدرو العملات المستقرة وشركات الاستضافة والسيولة. وكلما ضاق هذا الطوق ارتفعت كلفة التسوية الإيرانية من دون أن تختفي كليا.

الرأي التحليلي الذي يبرز من تقرير فايننشال تايمز هو أن التحول ليس احتفاء رسميا بالابتكار الرقمي، بل استجابة اضطرارية لعزلة مالية طال أمدها ثم اشتدت مع الحرب والحصار. العملات المشفرة تجسر صفقة أو تحفظ قيمة أو تعيد جزءا من حصيلة تصدير، لكنها لا تنتج الثقة الائتمانية ولا تعوض خسارة سوق كبيرة أو مصرف مراسل.

ستظهر فعالية السياسة في مؤشرات محددة: حجم التداول في المنصات الإيرانية، الفارق بين السعر الرسمي والمفتوح، مقدار عائدات التصدير المعادة، قرارات تيثر بتجميد محافظ جديدة، وحجم التجارة التي تقبل التسوية الرقمية فعليا لا إعلانيا. كما سيكون استهلاك تعدين بيتكوين للكهرباء اختبارا لما إذا كان الأصل المكتسب يبرر الكلفة على الشبكة والقطاع الإنتاجي.

الخلاصة أن إيران لا تخرج من نظام الدولار بقدر ما تدخل نسخة رقمية مظللة منه. تيثر يمنحها سرعة ووحدة حساب دولارية خارج المصارف، لكنه يبقيها رهينة مصدر خاص وتحليلات سلسلة الكتل والعقوبات على بوابات التحويل. ما نشأ هو طريق مواز أكثر مرونة وأقل شفافية للمراقب التقليدي، لا سيادة نقدية جديدة ولا بديلا كاملا من التجارة والتمويل العالميين.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في فايننشال تايمز باسم لم يظهر اسم الكاتب في النسخة المفتوحة من المادة وقت إعداد التقرير بتاريخ 9 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

أسوشيتد برسمن صنعاء إلى بوابتي البحر: كيف أصبح الحوثيون قوة ضغط مستقلة وشريكا لإيران؟قراءة التقرير ←The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية