SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

من يملك أنقاض غزة؟ معركة الوثيقة التي تسبق الإسمنت وإعادة الإعمار

تقرير موسع في ضياع سندات الملكية وتدمير المكاتب والسجلات، وفي محاولات إنقاذ الأرشيف الرقمي وإثبات الحقوق بالشهادات والفواتير والصور قبل أن تتحول إعادة الإعمار إلى باب لنزاعات أو اقتلاع جديد.

تبدأ إعادة إعمار المدن عادة بحصر الأضرار والتمويل والمواد، لكن غزة تواجه سؤالاً يسبق وصول الإسمنت: من يملك الأرض والبيت الذي تحول إلى ركام؟ تحقيق هبة صالح في فايننشال تايمز، المنشور صباح 8 سبتمبر 2026، ينقل هذا السؤال من الهامش القانوني إلى قلب مستقبل القطاع. فالمنزل المهدوم ليس مساحة فارغة، والوثيقة المفقودة لا تلغي الحق، لكن غياب السجل يجعل الدفاع عنه أصعب حين تبدأ التعويضات والتخطيط وإعادة رسم الأحياء.

تروي الصحيفة حالة محمد الآغا وغيره من الفلسطينيين الذين يبحثون عن أي أثر يثبت ملكيتهم: سند محفوظ خارج المنزل، فاتورة خدمات، صورة للبناء، نسخة رقمية، شهادة جار أو سجل لدى محام. هذه الأدلة ليست متساوية في قوتها القانونية، لكنها تصبح شبكة إثبات بديلة عندما تُدفن الأصول تحت الركام أو تحترق معها، وعندما تدمر المكاتب التي كانت تحفظ النسخ الرسمية.

الواقعة الأشد خطورة، وفق فايننشال تايمز، هي أن الضرر أصاب منظومة التوثيق نفسها، لا أملاك الأفراد فقط. مباني سلطة الأراضي ومكاتب محامين ومحفوظات ورقية تعرضت للتدمير، كما محيت معالم ميدانية كانت تفصل بين القطع والمباني. بذلك لا يختفي الدليل المكتوب وحده؛ تختفي أيضاً النقطة الجغرافية التي كان السند يشير إليها.

وسط هذا الفقدان برزت قيمة نسخة رقمية من سجلات الأراضي أُنجزت قبل الحرب بأشهر ونجت من الدمار، بحسب ما أوردته الصحيفة. وجودها يمنع انهياراً كاملاً للذاكرة العقارية، لكنه لا يحل كل شيء. السجل الرسمي يغطي ما سُجل، بينما تعتمد ملكيات أخرى على إرث غير مقسم أو عقود عرفية أو إشغال طويل أو معاملات لم تكتمل إجراءاتها.

تعقيد الملكية في غزة أقدم من الحرب الحالية. سجلات الأراضي مرت بطبقات من الإدارة العثمانية والانتداب البريطاني والإدارة المصرية والاحتلال الإسرائيلي ثم السلطة الفلسطينية. وفي كثير من الحالات ورث عدد كبير من الأقارب قطعة واحدة من دون فرز نهائي، أو توسع البناء فوق أرض عائلية من دون تحديث كامل للسجل. لذلك لا يمكن اختزال الحل في مسح ضوئي للورق المتبقي.

هذه وقائع توثيقية، أما الدلالة فهي سياسية واقتصادية. من يملك سلطة قبول الدليل أو رفضه يملك تأثيراً مباشراً في تحديد من يعود ومن يحصل على تعويض ومن يسمح له بالبناء. وإذا أُنشئت آلية إثبات بلا تمثيل فلسطيني ورقابة مستقلة ومسار اعتراض، فقد تتحول عملية فنية ظاهرياً إلى وسيلة لإعادة توزيع الأرض بعد الحرب.

تقدير الأضرار والاحتياجات الصادر في أبريل 2026 عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يضع كلفة التعافي وإعادة الإعمار عند 71.4 مليار دولار خلال عقد. الرقم يصف الحجم المالي، لكنه لا يحدد وحده المستفيد القانوني من كل منحة أو وحدة سكنية. قبل صرف مليارات الإسكان يجب أن تعرف الجهة المنفذة العلاقة بين المالك والوريث والمستأجر والنازح واللاجئ وصاحب الحق غير المسجل.

الخلط بين الملكية والسكن خطر آخر. الأسرة التي كانت تعيش في منزل قبل تدميره قد تكون مالكة، أو مستأجرة، أو مقيمة بإذن عائلي، أو وريثة لحصة لم تسجل. حماية حق المالك لا ينبغي أن تعني طرد المقيم الضعيف، وحماية الساكن لا ينبغي أن تمحو حق الورثة. إعادة الإعمار العادلة تحتاج مسارين متوازيين: تثبيت الملكية، وضمان الحق في السكن وعدم التشرد.

كما أن النساء والأطفال وكبار السن أكثر عرضة لخسارة حقوقهم إذا اعتمدت الإجراءات على حضور صاحب السند الأصلي فقط. قد يكون حامل الوثيقة قد استشهد أو فُقد أو نزح، وقد لا تكون حصة المرأة في الإرث سجلت باسمها. لذلك تحتاج آلية المطالبات إلى قبول أدلة متعددة، ومساعدة قانونية مجانية، وتمثيل للقصر والغائبين، ومنع بيع الحقوق تحت ضغط الحاجة.

إزالة الركام نفسها أصبحت جزءاً من معركة الملكية. تقول الأمم المتحدة إن الأنقاض تحتوي ممتلكات ووثائق وحدوداً لمواقع البيوت، إضافة إلى مخاطر المتفجرات والرفات البشرية. وفي 7 سبتمبر حذرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، وفق رويترز، من أن الإزالة غير المنضبطة قد تدمر أدلة محتملة وتعرقل استعادة الجثامين. هذا موقف منسوب إليها وليس حكماً قضائياً، لكنه يوضح أن الجرافة قد تمحو في دقائق ما يحتاجه التحقيق والوريث والمالك لاحقاً.

ووفق أحدث الأرقام التي أوردتها رويترز عن الأمم المتحدة، تراكم في القطاع نحو 61 مليون طن من الركام، وقد يستغرق رفعه سبع سنوات. كما تقدر السلطات الفلسطينية بقاء أكثر من ثمانية آلاف شخص تحت الأنقاض. لذلك لا يمكن مطالبة السكان بحماية سنداتهم وحدهم؛ المطلوب بروتوكول رسمي يسبق الإزالة، يوثق الموقع ويصور الموجودات ويفرز الوثائق والرفات والأدلة ويحفظ سلسلة حيازتها.

إعادة رسم الحدود بعد التسوية تمثل تحدياً تقنياً إضافياً. اختفاء الجدران والشوارع والعلامات يجعل الاعتماد على الذاكرة وحدها مدخلاً للنزاع. يمكن للصور الجوية القديمة والخرائط المساحية وبيانات الإحداثيات وفواتير الخدمات وسجلات البلديات أن تعيد بناء المشهد السابق، لكن التقنية يجب أن تخدم الحق المثبت، لا أن تنشئ خريطة جديدة تتجاهل الملكية التي كانت قائمة.

تظهر هنا فائدة لجان محلية تجمع المعرفة المجتمعية بالأرشيف الرسمي. الجيران يعرفون حدود البيوت وتسلسل الإقامة، والبلديات تملك سجلات ضرائب وخدمات، والمحامون يحتفظون بعقود، والمصارف تملك وثائق رهن وتمويل. تقاطع هذه المصادر أقوى من اعتماد شاهد واحد أو قاعدة بيانات واحدة، ويقلل فرص التزوير والاستيلاء على ملك الغائبين.

لكن الشهادة المجتمعية تحتاج ضمانات أيضاً. النزوح الواسع والفقر والفقدان قد يخلقان تفاوتاً بين من يستطيع تقديم ملف كامل ومن فقد أسرته ووثائقه واتصاله بالمؤسسات. كما قد تظهر مطالبات متعارضة أو محاولات استغلال. الحل ليس رفض الأدلة غير الرسمية، بل وضع درجات للإثبات ومراجعة متعددة المستويات وحق اعتراض معلن ومحكمة أو هيئة مستقلة للفصل.

تخشى جهات فلسطينية، بحسب تحقيق فايننشال تايمز، أن تتعامل تصورات إسرائيلية أو أميركية للتطوير مع الأرض كأنها مساحة متاحة لإعادة التصميم، لا ملكيات خاصة وحقوقاً جماعية. هذه المخاوف لا تثبت أن خطة بعينها ستصادر كل عقار، لكنها تضع معياراً واضحاً لأي مشروع: لا إعادة تطوير من دون موافقة أصحاب الحقوق، ولا تعويض قسري يحول الملكية إلى رمز رقمي أو بدل مالي من دون خيار العودة.

المؤشرات التي يجب متابعتها ليست أرقام التعهدات وحدها. الأهم هو من يدير قاعدة بيانات الأراضي، وهل تُحفظ نسخة مستقلة خارج منطقة الخطر، وما الأدلة المقبولة، وكيف يمثل الغائبون والورثة، وهل توثق فرق إزالة الركام كل موقع قبل العمل، وهل يستطيع صاحب المطالبة الطعن في القرار من دون رسوم أو نفوذ سياسي.

الخلاصة أن معركة ملكية أنقاض غزة ليست خلافاً إدارياً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب. إنها شرط للعودة، وللعدالة في توزيع التعويض، ولمنع إعادة الإعمار من إنتاج تهجير جديد. حماية الأرشيف والحدود والحق في الاعتراض يجب أن تبدأ قبل الجرافات؛ فالإسمنت يستطيع بناء جدار جديد، لكنه لا يستطيع وحده إعادة الحق إلى صاحبه إذا مُحيت الوثيقة والخريطة والذاكرة القانونية معاً.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في فايننشال تايمز باسم هبة صالح بتاريخ 8 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←Financial Timesمن الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية: نقل الشرطة في الضفة كخطوة ضم بلا إعلانقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية