SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

وقود السفن الحلقة الخفية في غلاء الحرب: لماذا ترتفع كلفة التجارة أسرع من النفط؟

تحليل في نقص زيت الوقود البحري مع اضطراب المصافي وتفضيلها منتجات أعلى ربحية، وفي انتقال الصدمة من خزانات الموانئ إلى أجور الشحن والكهرباء وأسعار السلع، خصوصاً في آسيا.

تنظر الأسواق عادة إلى خام برنت بوصفه مقياس كلفة الحرب في الطاقة، لكن تحليلاً نشرته رويترز فجر 7 سبتمبر 2026 يكشف اختناقاً أقل ظهوراً وأقرب إلى التجارة اليومية: زيت الوقود الذي يحرك السفن ويستخدم في بعض محطات الكهرباء. فبينما ارتفع الخام بقوة منذ اندلاع حرب إيران، صعد سعر الوقود البحري منخفض الكبريت بوتيرة أسرع، ما يعني أن فاتورة نقل الحبوب والحاويات والمواد الخام يمكن أن تتفاقم حتى من دون قفزة مماثلة جديدة في برميل النفط.

الواقعة الأساسية هي أن الحرب لا تقلل توافر الخام وحده، بل تعطل طريقة تحويله إلى منتجات. المصافي التي تواجه شح الإمدادات أو ارتفاع تكلفتها تميل إلى تعظيم إنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات، لأن هوامشها أعلى، وتقلل ما تستطيع من زيت الوقود الأقل قيمة. هذا قرار اقتصادي منطقي لكل مصفاة، لكنه إذا تكرر عبر مناطق عدة يصنع نقصاً عالمياً في منتج تعتمد عليه غالبية السفن التجارية.

زيت الوقود ليس سلعة واحدة متجانسة. السفن الحديثة تستخدم أساساً وقوداً لا تتجاوز نسبة الكبريت فيه 0.5 في المئة امتثالاً لقواعد المنظمة البحرية الدولية، فيما تستطيع السفن المزودة بأنظمة تنقية العادم استخدام درجات أعلى كبريتاً. لذلك قد يبدو أن العالم يملك براميل من الوقود الثقيل، لكن المواصفات والموقع وقدرة المزج تحدد إن كانت صالحة فعلاً لسفينة تنتظر التزود في سنغافورة أو الفجيرة.

تنقل رويترز عن شركة إنرجي أسبكتس توقعها عجزاً عالمياً في زيت الوقود يبلغ 218 ألف برميل يومياً في الربع الثالث، مقارنة بعجز هامشي قدره ستة آلاف برميل يومياً في الفترة نفسها من 2025. هذا تقدير تحليلي لشركة متخصصة وليس رقماً نهائياً، لكنه يوضح حجم التحول من سوق متوازنة تقريباً إلى سوق تحتاج إلى سحب مستمر من المخزونات أو إلى تقليل الطلب.

وتدعم بيانات المخزون اتجاه التحذير. وفق الأرقام التي جمعتها رويترز، كانت مخزونات زيت الوقود في مراكز سنغافورة ومنطقة أمستردام وروتردام وأنتويرب والفجيرة أقل بنحو 30 في المئة من متوسطاتها الموسمية لثلاث سنوات. انخفاض المخزون لا يثبت وحده حدوث انقطاع، لكنه يقلل الوسادة التي تمتص تأخر ناقلة أو توقف وحدة تكرير أو زيادة مفاجئة في طلب السفن.

الأثر ظهر في السعر بالفعل. بلغ الوقود البحري منخفض الكبريت في سنغافورة قبيل مطلع سبتمبر أقل بقليل من 825 دولاراً للطن، أي نحو 130 دولاراً للبرميل، بزيادة 76 في المئة منذ بداية حرب إيران، بحسب بيانات زيرو نورث التي نقلتها رويترز. خلال الفترة نفسها ارتفع برنت نحو 40 في المئة. هذه لقطة لسوق ومواصفة محددتين، وليست سعراً موحداً لكل الموانئ، لكنها تكشف انفصالاً مهماً بين الخام وكلفة تشغيل السفينة.

آسيا هي الحلقة الأكثر انكشافاً لأن سنغافورة، أكبر مركز عالمي لتزويد السفن بالوقود، تستورد أكثر من نصف احتياج يقترب من مليون برميل يومياً. عندما تتراجع الشحنات القادمة من الشرق الأوسط وروسيا، لا تستطيع المنطقة تعويضها فوراً بمصفاة قريبة، لأن الإنتاج البديل يحتاج إلى مواصفات مناسبة ومسارات شحن وزمن وصول وقدرة تخزين ومزج.

بحسب بيانات كبلر التي أوردتها رويترز، تراجعت صادرات الشرق الأوسط من زيت الوقود بين مارس وأغسطس 45 في المئة على أساس سنوي إلى متوسط 447 ألف برميل يومياً. المثال الأوضح هو مصفاة الزور الكويتية: لم ترسل، وفق البيانات نفسها، سوى شحنة واحدة بحجم 26 ألف برميل يومياً منذ مارس، بعدما بلغ متوسط صادراتها قرابة 191 ألف برميل يومياً في يناير وفبراير. الرقم يبين كيف يمكن لتعطل منشأة كبيرة أن يغير توازن سوق بعيدة عنها آلاف الكيلومترات.

روسيا أضافت ضغطاً ثانياً. أدت الهجمات الأوكرانية على المصافي، وفق تحليل رويترز، إلى هبوط صادرات زيت الوقود الروسية في أغسطس إلى مستوى قياسي منخفض قدره 591 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط يتجاوز 860 ألفاً في 2025. هنا تتقاطع حربان في سوق واحدة: اضطراب الشرق الأوسط يقلص مصدراً رئيسياً، والضربات في روسيا تضيق البديل الذي كان يمكن أن يعوض جزءاً من النقص.

يتضاعف الأثر لأن السفن نفسها تستهلك وقوداً أكثر حين تتجنب باب المندب والبحر الأحمر وتسلك الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح. المسار البديل يضيف أياماً وأميالاً، فيرفع الاستهلاك ويحبس السفينة مدة أطول ويقلل عدد الرحلات التي تستطيع إنجازها. وهكذا تنتج الحرب حلقة ارتجاع: الإغلاق أو الخطر يقلل المعروض من الوقود، والتحويل إلى مسار أطول يزيد الطلب عليه في الوقت نفسه.

لا تصل الزيادة إلى المستهلك فوراً وبالنسبة نفسها. بعض شركات الشحن تحمي جزءاً من استهلاكها بعقود مسبقة، وبعض عقود نقل الحاويات تحدد رسوماً إضافية للوقود، فيما تؤجل المنافسة تمرير الكلفة أو توزعها بين الناقل وصاحب البضاعة. لذلك يجب الفصل بين ارتفاع السعر الفوري في الميناء وبين التضخم النهائي؛ الانتقال يعتمد على مدة الأزمة ونوع العقد وهوامش الشركات وقدرة الزبون على تغيير المسار أو المورد.

لكن قنوات الانتقال واسعة. وقود أغلى يعني أجور شحن ورسوم وقود أعلى للسلع الثقيلة ومنخفضة القيمة، من الحبوب والأسمدة إلى المعادن ومواد البناء. والدول الجزرية أو المعتمدة على الاستيراد تتأثر أكثر. كما أن بعض أسواق الكهرباء تستخدم زيت الوقود عند نقص الغاز أو الديزل، ما يفتح قناة ثانية تنتقل عبرها الأزمة إلى فواتير الطاقة والإنتاج الصناعي.

تفسير النقص يحتاج كذلك إلى فهم اقتصاد المصفاة. زيت الوقود قد يكون منتجاً نهائياً، وقد يكون مادة تدخل وحدات تكسير وتحويل لإنتاج ديزل وبنزين أعلى قيمة. عندما ترتفع هوامش هذه المنتجات، تملك المصفاة حافزاً لاستهلاك الجزيئات الثقيلة داخلياً بدلاً من بيعها للسفن. لذلك لا يكفي وصول مزيد من الخام؛ المطلوب أن تعمل وحدات التكرير وأن يصبح بيع الوقود البحري مجدياً مقارنة بتحويله إلى منتج آخر.

تشير قراءة رويترز المنفصلة لواردات الصين إلى عامل قد يمنح السوق بعض المرونة أو يزيدها غموضاً. فقد ظلت واردات الخام البحرية الصينية في أغسطس أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، بينما زادت صادرات المنتجات المكررة. لكن قدرة الصين على سد نقص زيت الوقود تعتمد على حصص التصدير وتركيبة المصافي والطلب المحلي والمواصفات، فلا يمكن تحويل زيادة عامة في المنتجات إلى ضمان توافر وقود السفن.

يمكن أن يأتي الانفراج من عودة المصافي المتوقفة، وتحسن صادرات الزور وروسيا، واستقرار المرور في البحر الأحمر وهرمز، أو تراجع الطلب بفعل الأسعار المرتفعة. وكل مسار يحمل قيداً: إصلاح المنشآت يحتاج وقتاً، وتحسن الملاحة يحتاج ضمانات أمنية وتأمينية، وتدمير الطلب يعني في الغالب تباطؤ تجارة أو كهرباء أعلى كلفة، لا حلاً بلا ثمن.

المؤشرات الأهم في الأسابيع المقبلة ليست برنت وحده، بل الفارق بينه وبين سعر الوقود البحري منخفض الكبريت، ومخزونات سنغافورة والفجيرة وشمال غرب أوروبا، وصادرات الشرق الأوسط وروسيا، وتشغيل مصفاة الزور، ورسوم الوقود التي تعلنها شركات النقل. استمرار اتساع هذه الفوارق سيعني أن التضخم البحري ما زال يتراكم حتى لو هدأت شاشة الخام.

الخلاصة أن وقود السفن يكشف الآلية الخفية لغلاء الحرب. فالسوق لا تنقل الصدمة في خط مستقيم من البئر إلى المستهلك؛ تمر عبر المصفاة والمواصفة والخزان ومسار السفينة وعقد الشحن. وحين تضيق هذه الحلقات معاً، تصبح كلفة التجارة أسرع ارتفاعاً من النفط نفسه، ويتحول اختناق فني في موانئ بعيدة إلى سعر أعلى للغذاء والطاقة والسلع في اقتصادات لا تشارك في الحرب.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في رويترز باسم إنيس توناغور وجيسلين لير؛ تحرير أليكس لولر وديمتري جدانيكوف ويان هارفي بتاريخ 7 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←Financial Timesمن الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية: نقل الشرطة في الضفة كخطوة ضم بلا إعلانقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية