SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

أطراف مفقودة وحياة تستعاد: كيف تحولت كرة القدم في غزة إلى جزء من إعادة التأهيل؟

تقرير موسع في تجربة مبتوري الأطراف الذين يعودون إلى الملعب وسط نقص الأطراف الصناعية ومواد العلاج، وفي الفارق بين الاحتفاء بالصمود وبناء حق فعلي في التأهيل والحياة المستقلة.

تنطلق مادة فايننشال تايمز المنشورة صباح 30 أغسطس من قصة العداءة الفلسطينية روزان خيرة، لكنها لا تقدمها بوصفها حكاية انتصار فردية معزولة. فقدت روزان ساقها خلال قصف منزل عائلتها في غزة، ثم وجدت في كرة القدم مساحة تستعيد فيها الحركة والثقة والعلاقة بجسد تغير بصورة دائمة. قيمة القصة أنها تفتح ملفاً أوسع: ماذا تعني النجاة حين تبقى خدمات التأهيل والأطراف الصناعية والبيئة الملائمة أقل بكثير من حجم الإصابات؟

تتحقق الصورة العامة بأرقام منظمة الصحة العالمية. ففي تقريرها الصادر في مايو 2026 قدرت المنظمة أن نحو 43 ألفاً من أصل 172 ألف مصاب في غزة منذ أكتوبر 2023 يعانون إصابات تغير مجرى الحياة، وبينهم قرابة خمسة آلاف شخص تعرضوا لبتر جديد في أحد الأطراف. هذه تقديرات صحية وليست إحصاء نهائياً لكل حالة، لكنها تكشف أن الإعاقة الناجمة عن الحرب أصبحت قضية مجتمع وبنية خدمات، لا ملفاً طبياً محدوداً.

وتشير المادة إلى أن الأطفال يشكلون ما لا يقل عن خمس حالات البتر. كما تؤكد تقارير أممية أن غزة تسجل أعلى معدل للأطفال مبتوري الأطراف قياساً بعدد السكان في العالم. هنا يجب فصل الواقعة عن اللغة العاطفية: الرقم لا يصف الإصابة وحدها، بل سنوات لاحقة من العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والدعم النفسي والتعليم الملائم وتبديل الأطراف الصناعية مع نمو الطفل.

روزان كانت رياضية قبل الإصابة، ووالدها مدرب كرة قدم فقد هو الآخر قدميه، فيما فقدت طفلة من العائلة يداً في ضربة أخرى أودت بحياة أقارب. تعيد فايننشال تايمز بناء هذه التجربة لتوضح أن البتر لا يقع في فراغ؛ فالناجي قد يكون في الوقت نفسه فاقداً لأفراد من أسرته وبيته ودخله ومكان التدريب، وهو ما يجعل التعافي الجسدي منفصلاً بالاسم فقط عن الحداد والنزوح والفقر.

تلعب جمعية كرة القدم لمبتوري الأطراف في فلسطين دوراً يتجاوز تنظيم المباريات. تأسست المبادرة قبل الحرب، ثم توقفت وعادت إلى العمل في ديسمبر 2024 رغم القصف والنزوح. التدريب يخلق روتيناً ومجموعة دعم وهدفاً يمكن قياس التقدم نحوه. وهذه عناصر معروفة في التأهيل النفسي والاجتماعي، لكنها لا تستبدل العلاج المتخصص ولا تعفي المؤسسات الصحية والدولية من مسؤولياتها.

الوقائع الطبية أكثر قسوة من الصورة التي يقدمها الملعب. تفيد فايننشال تايمز بأن مستشفيات ومراكز التأهيل تعاني نقصاً حاداً في المواد اللازمة لصناعة الأطراف الصناعية، ومنها الجبس الطبي ومكونات التجهيز والتركيب. كما توجد قوائم انتظار طويلة، بينما يحتاج الطرف الصناعي إلى قياس دقيق وتعديل وصيانة، وقد يحتاج المصاب إلى جراحات إضافية قبل أن يصبح استخدامه آمناً.

القيود على دخول المواد لا يمكن التعامل معها كمسألة لوجستية عادية. المادة التي يمكن أن تدخل في البناء قد تكون كذلك جزءاً أساسياً من صناعة قالب طرف صناعي، وأداة تبدو مزدوجة الاستخدام في التصنيف الأمني قد تكون ضرورية لمركز تأهيل. لذلك يصبح نظام التصاريح نفسه محدداً لقدرة المصاب على المشي أو الدراسة أو العمل، لا مجرد آلية لمراقبة التجارة.

تظهر الإحالات الطبية إلى الخارج بوصفها منفذاً لعدد محدود من الحالات، لكنها ليست حلاً عاماً. يحتاج المريض إلى موافقة ووجهة مستقبلة ومرافق وتمويل واستمرار المتابعة بعد العودة. وحين تكون آلاف الحالات في حاجة إلى علاج طويل، فإن إخراج عشرات أو مئات المرضى يظل استجابة إنقاذية مهمة لكنه لا يبني نظام تأهيل داخل غزة.

من زاوية التحليل، تحمل كرة القدم معنيين متلازمين. الأول علاجي: تحسين التوازن والقوة والثقة والتفاعل الاجتماعي. والثاني سياسي وإنساني: رفض اختزال صاحب الإعاقة في صورة ضحية عاجزة. غير أن الاحتفاء بالصمود قد يتحول إلى ستار إذا استخدم بدلاً من تأمين الحقوق. قدرة روزان على اللعب لا تقلل مسؤولية من تسبب بالإصابة، ولا تعني أن بقية المصابين يستطيعون تجاوز الحواجز بالإرادة وحدها.

إعادة الإعمار في هذا السياق يجب ألا تقتصر على البيوت والطرق. غزة تحتاج إلى مراكز أطراف صناعية وعلاج طبيعي موزعة جغرافياً، وتدريب كوادر محلية، ومخزون مستدام من المواد، ومساحات رياضية وتعليمية قابلة للوصول، ونظام بيانات يحفظ لكل مصاب مسار علاجه. من دون هذه العناصر قد ينجو المصاب من العملية الأولى ثم يفقد سنوات من الاستقلال والتعليم والعمل.

هناك أيضاً بعد يتعلق بالنساء والفتيات. ظهورهن في فرق مبتوري الأطراف يكسر قيوداً اجتماعية سبقت الحرب، لكنه يضع احتياجات إضافية على برامج التأهيل، من الخصوصية والأمان إلى الرعاية النفسية وفرص السفر والمشاركة الدولية. ولا ينبغي أن تفرض البرامج نموذجاً واحداً للنجاح؛ الحق هو أن تختار المصابة الرياضة أو الدراسة أو العمل وأن تحصل في كل خيار على الأدوات المناسبة.

يفصل التقرير بين ما هو واقع وما هو تقدير. الواقع أن آلاف الأشخاص يعيشون ببتر أو إصابات دائمة وأن الإمدادات والخدمات لا توازي الحاجة. أما التقدير فهو أن الرياضة يمكن أن تصبح جزءاً مؤسسياً من التعافي إذا ارتبطت بالرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. نجاح فريق في التدريب دليل على الإمكان، لا دليل على كفاية النظام القائم.

المؤشرات التي تستحق المتابعة هي عدد الأطراف الصناعية المنتجة والمركبة داخل غزة، ومدة الانتظار، وعدد جلسات العلاج الطبيعي، ونسبة الأطفال العائدين إلى التعليم، وإمكان وصول النساء والمصابين في مناطق النزوح إلى الخدمات. هذه المقاييس تنقل النقاش من الإعجاب بقصص الشجاعة إلى محاسبة السياسات والجهات المانحة على نتائج ملموسة.

الخلاصة أن ملعب كرة القدم يمنح مبتوري الأطراف في غزة ساعة من الحركة والانتماء واستعادة القرار، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم ما ينقص خارج الملعب. التعافي الحقيقي لا يكتمل بصورة لاعب على عكازين؛ يكتمل حين يصبح الطرف الصناعي والعلاج والتعليم والعمل والحركة حقوقاً متاحة، وحين لا يضطر المصاب إلى تحويل كل خطوة عادية في حياته إلى بطولة فردية جديدة.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في فايننشال تايمز ومنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة باسم قسم الشرق الأوسط في فايننشال تايمز؛ لم يظهر اسم الكاتب في النسخة المفتوحة بتاريخ 30 أغسطس 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←Financial Timesمن الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية: نقل الشرطة في الضفة كخطوة ضم بلا إعلانقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية