تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
هدنة تحت القصف ومركز تنسيق تحت الضغط: من يحمي اتفاق غزة من الانهيار؟
قراءة في استمرار سقوط الشهداء بالتوازي مع الخلاف على مركز التنسيق الدولي، وفي الفجوة بين وجود خطة سلام وغياب أدوات توقف الخروقات وتحمي المدنيين.
تكشف تطورات 28 أغسطس مفارقة أساسية في المشهد الغزي: توجد خطة سياسية دولية ومركز تنسيق يفترض أن يراقب وقف إطلاق النار، لكن المدنيين ما زالوا يدفعون ثمن الخروقات على الأرض. أفادت وفا نقلا عن مصادر طبية بوصول أربعة شهداء إلى مستشفيات القطاع منذ الفجر، بينهم ثلاثة من عائلة عابدين استشهدوا في القرارة شمال شرق خان يونس، والشهيد حسن الديري الذي وصل مع مصابين بعد قصف حي الصبرة بمدينة غزة.
هذه الوقائع لا تعني وحدها انهيار الاتفاق، لكنها تظهر أن الهدنة لا تقاس بوجود إعلان سياسي فقط. الاختبار الحقيقي هو انخفاض الضربات وحماية المدنيين وقدرة فرق الإسعاف على الوصول ووجود تحقيق سريع في كل خرق. عندما تستمر الخسائر البشرية من دون آلية علنية للمساءلة، تتحول الهدنة من نظام حماية إلى إدارة أقل كثافة للعنف.
في الوقت نفسه حذرت بريطانيا إسرائيل من إبعاد مسؤولين بريطانيين عن مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة. وقالت لندن، وفق أسوشيتد برس، إن خطوة كهذه ستقوض الجهود الجماعية المرتبطة بخطة السلام. جاء ذلك بعد إبعاد دبلوماسيين هولنديين على خلفية خلاف سياسي بشأن القيود التجارية على منتجات المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.
أهمية مركز التنسيق لا تكمن في عدد الدبلوماسيين داخله، بل في كونه نقطة وصل بين الدول والجهات العسكرية والإنسانية التي يفترض أن تتابع تنفيذ الخطة. إذا أصبح تمثيل الدول في المركز خاضعا للعقاب السياسي بسبب مواقفها من الاستيطان أو القانون الدولي، فإن وظيفة المركز تنتقل من رقابة متعددة الأطراف إلى إطار يتحكم الطرف الأقوى في عضويته ومعلوماته.
هذا الخلاف يكشف ضعف البنية التنفيذية للاتفاق. فالوسطاء يستطيعون صياغة بنود وفتح قنوات اتصال، لكنهم يحتاجون إلى بيانات مشتركة عن الحوادث وإجراءات فورية لوقف النار وضمانات للوصول الإنساني. من دون ذلك يبقى كل طرف قادرا على تقديم روايته المنفصلة، بينما تتراكم الوقائع الميدانية أسرع من التحقيقات والبيانات الدبلوماسية.
التحذير البريطاني مهم سياسيا لأنه يربط المشاركة في المركز بمصداقية خطة السلام ذاتها. لكنه سيظل محدود الأثر إذا لم يصحبه اتفاق واضح على صلاحيات المركز: هل يوثق الخروقات؟ هل يعلن نتائجه؟ هل يستطيع طلب وقف عملية جارية؟ ومن يتحمل المسؤولية حين تمنع دولة مشاركة أو حين تتجاهل التوصيات؟ هذه الأسئلة تحدد إن كان المركز آلية تنفيذ أم غرفة تبادل معلومات فقط.
أما في غزة، فإن استمرار الغارات بعد شهر من وقف إطلاق النار يعيد النقاش حول معنى الهدنة للسكان. انخفاض وتيرة العمليات لا يكفي إذا بقي المدني معرضا للقصف في منزله أو خيمته أو أثناء عمله. الحماية تتطلب قواعد اشتباك قابلة للتحقق، وإشعارا واضحا بالمناطق الآمنة، ومسارا مستقلا للتحقيق، وتعويضا وإجراءات تمنع التكرار.
تتداخل هذه الأزمة مع الخلاف الأوسع بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية من الخطة: الانسحاب ونزع السلاح والإعمار والإدارة. كل تأخير في الملفات السياسية يوسع المساحة التي تعمل فيها القوة العسكرية بلا تسوية، وكل خرق ميداني يزيد صعوبة إقناع الأطراف والجمهور بأن المرحلة التالية قابلة للحياة.
هناك ثلاثة مؤشرات يجب متابعتها خلال الأيام المقبلة. الأول ما إذا كانت إسرائيل ستتراجع عن إبعاد المسؤولين البريطانيين أو توسع الإبعاد ليشمل دولا أخرى. الثاني ما إذا كان مركز التنسيق سيصدر سجلا علنيا للخروقات والحصيلة. والثالث ما إذا كانت الضربات ستنخفض فعليا مع وصول المساعدات والخدمات، لا أن تقتصر الاستجابة على بيانات الاحتجاج.
الخلاصة أن الخطر على اتفاق غزة يأتي من مسارين متزامنين: خروقات ميدانية تقتل المدنيين، وتآكل سياسي يصيب المؤسسة المفترض أن تراقب الاتفاق. حماية الهدنة تحتاج إلى فصل مركز التنسيق عن الانتقام الدبلوماسي، ومنحه صلاحيات واضحة وشفافة، وربط كل خرق بتحقيق وإجراء. من دون ذلك ستبقى الخطة قائمة على الورق بينما يعيش الفلسطينيون هدنة لا توفر الأمان.