SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

من فيينا إلى الهامش: كيف فقدت أوروبا موقعها في دبلوماسية الملف الإيراني؟

قراءة موسعة في حجة لوموند: نجاح الاتفاق النووي عام 2015 لم يؤسس قوة أوروبية مستقلة، بل قام على ظرف استثنائي وشخصنة التفاوض؛ لذلك غابت القارة حين تغيرت واشنطن والنظام الدولي.

ينطلق بيير رامون في مقال رأي نشرته لوموند في 28 أغسطس 2026 من مفارقة زمنية حادة: في 2015 كانت فيينا مركز اتفاق نووي قادته دبلوماسية أوروبية ظاهرياً، أما بعد ستة أشهر من الحرب الحالية فتجري قنوات التفاوض عبر إسلام آباد والدوحة ومسقط من دون دور أوروبي حاسم. السؤال الذي يطرحه ليس لماذا فشلت مبادرة بعينها، بل لماذا لم يتحول نجاح 2015 إلى قدرة مؤسسية دائمة.

الوقائع التاريخية الأساسية مثبتة في سجل الاتحاد الأوروبي: قاد الممثل الأعلى للاتحاد جهود مجموعة الدول الثلاث الأوروبية مع الصين وروسيا والولايات المتحدة، وانتهت المفاوضات إلى خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا في 14 يوليو 2015. قيّد الاتفاق البرنامج النووي مقابل رفع عقوبات مرتبطة به، وأنشأ نظام تحقق دولياً. هذه وقائع؛ أما تفسيرها بوصفها وهماً للقوة الأوروبية فهو حجة الكاتب.

يرى رامون أن الصورة الشائعة بالغت في وحدة أوروبا. فالمفاوضات كرست عملياً هيمنة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أو مجموعة E3، بدلاً من بناء سياسة خارجية فوق قومية يشارك فيها الاتحاد ككل. نجح عدد محدود من الدول والدبلوماسيين في ملف محدد، لكن النجاح لم يتحول إلى توزيع مؤسسي للخبرة والسلطة.

ويضيف أن فريق إيران داخل جهاز العمل الخارجي الأوروبي عمل بصورة خاصة ومنفصلة نسبياً عن البيروقراطية العامة. الشخصنة سرعت التفاوض ومنحت القائمين عليه مرونة، لكنها جعلت الإنجاز متعلقاً بأفراد وتفويض استثنائي. حين تغير الأشخاص والظروف الدولية، لم توجد مؤسسة بالقوة نفسها تستطيع إعادة إنتاج المسار.

الحجة الثالثة تتعلق بمصدر التفويض. كان الممثل الأعلى ينسق بصفته حاملاً لتفويض دولي مرتبط بمجلس الأمن، لا لأنه يقود قوة أوروبية قادرة على فرض كلفة مستقلة. وفر ذلك شرعية وظهوراً كبيرين، لكنه ربط النفوذ الأوروبي بصحة النظام متعدد الأطراف وباستعداد القوى الكبرى للجلوس إلى الطاولة.

نجاح 2015، وفق هذه القراءة، قام على تزامن نادر: إدارة أميركية تريد اتفاقاً، وقيادة إيرانية مستعدة للمساومة، وروسيا والصين داخل إطار تعاوني، ودول أوروبية قادرة على الوساطة. ما إن خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق في 2018 وبدأت العقوبات تعود، ظهر أن أوروبا لا تملك أدوات مالية وسيادية كافية لحماية الاتفاق من قرار واشنطن.

هنا يفصل المقال بين الوساطة والقوة. يستطيع الوسيط تنظيم المحادثات وصياغة الحلول وتقريب المواقف، لكنه يحتاج إلى أطراف مستعدة لقبول العملية وإلى أدوات تضمن تنفيذ النتائج. أوروبا قدمت خبرة قانونية ودبلوماسية مهمة، لكنها ظلت تعتمد على القوة المالية والأمنية الأميركية وعلى توافق مجلس الأمن.

تؤكد التطورات اللاحقة هذا القيد. يوضح الاتحاد الأوروبي أن مجلس الأمن أعاد في سبتمبر 2025 العقوبات النووية التي كانت قد رُفعت، وأن الاتحاد طبق بدوره إعادة القيود. ثم جاءت حرب 2026 لتدفع الوساطة نحو قوى أقرب جغرافياً إلى الأطراف وتملك قنوات أمنية وسياسية مباشرة. القرب وحده لا يصنع النجاح، لكنه يمنح قطر وعُمان وباكستان مصالح وأدوات لا تملكها بروكسل بالطريقة نفسها.

يستخدم رامون مفهوماً وصفياً عن عالم تحكمه دوائر شخصية ضيقة أكثر من المؤسسات التقليدية. وفي هذا العالم تصبح استراتيجية أوروبا القائمة على إقناع واشنطن بالتصرف عقلانياً شديدة الهشاشة، لأنها تفترض أن الإدارة الأميركية تريد أصلاً العمل عبر القواعد المتعددة الأطراف. عندما يتغير هذا الافتراض، تتراجع قيمة الخبرة الوساطية من دون قدرة مستقلة تدعمها.

مع ذلك، لا يعني تهميش أوروبا أنها بلا موارد. الاتحاد سوق ضخم، ويملك أدوات عقوبات وتجارة وتمويل ومساعدات، وفرنسا عضو دائم في مجلس الأمن، وبريطانيا ما تزال قوة أوروبية وإن غادرت الاتحاد. المشكلة التي يشير إليها المقال هي عدم تحويل هذه الموارد إلى قرار موحد ومستمر، لا غياب الموارد تماماً.

توجد أيضاً حدود لرأي الكاتب. فالوسطاء الإقليميون الحاليون لم ينجزوا بعد تسوية نهائية، وقد تحتاج أي صفقة واسعة إلى أوروبا في ملف العقوبات والضمانات وإعادة الإعمار والطاقة. كما أن غياب بروكسل عن الواجهة لا يثبت غياب الاتصالات الفنية خلفها. لذلك يصح التعامل مع المقال بوصفه تشخيصاً لضعف النفوذ، لا بيان وفاة للدبلوماسية الأوروبية.

لكن التشخيص يفرض سؤالاً عملياً: هل تريد أوروبا أن تكون منصة تفاوض أم طرفاً يملك سياسة؟ الخيار الأول يحتاج إلى حياد ومرونة وتفويض دولي؛ والثاني يحتاج إلى توافق داخلي وقدرة على تحمل كلفة الخلاف مع واشنطن أو طهران أو موسكو. الجمع بين الدورين ممكن أحياناً، لكنه لا يحدث تلقائياً.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، يهم هذا النقاش لأن فراغ القوة الدبلوماسية لا يبقى فارغاً. حين تتراجع المؤسسات متعددة الأطراف، تتقدم الصفقات الثنائية والوسطاء المرتبطون بعلاقات شخصية، وتصبح الضمانات أكثر اعتماداً على توازن اللحظة. قد يكون ذلك أسرع، لكنه أقل شفافية وأصعب في المساءلة والاستمرار بعد تغير القادة.

الخلاصة أن لوموند لا تعزو الغياب الأوروبي إلى خطأ تكتيكي واحد. حجتها أن اتفاق 2015 أخفى ضعفاً بنيوياً: أوروبا نجحت حين توافقت إرادات دولية أكبر منها، ولم تبنِ بعد ذلك استقلالاً مؤسسياً وأدوات تنفيذ تناسب وزنها الاقتصادي. وإذا أرادت العودة، فلن يكفي استدعاء إرث فيينا؛ عليها تحديد مصالح مشتركة والقدرة على الدفاع عنها عندما لا تتطابق مع قرار واشنطن.

تبدأ قراءة موضوع «من فيينا إلى الهامش: كيف فقدت أوروبا موقعها في دبلوماسية الملف الإيراني؟» من التمييز بين الخبر المباشر وبين البنية السياسية والاقتصادية التي أنتجته. فالمعلومات الأساسية التي أوردها لوموند بتاريخ 28 أغسطس 2026 تمثل نقطة انطلاق، لكنها لا تكفي وحدها لفهم توازنات القوة ومصالح الأطراف والقيود التي تحكم القرار. لهذا تعيد سابا الإخبارية تنظيم الوقائع في سياق أوسع، وتفصل بوضوح بين ما نسبه المصدر إلى مسؤولين أو شهود وبين الاستنتاج التحليلي الذي يساعد القارئ على إدراك الصورة المركبة من دون تحويل التقدير إلى حقيقة قطعية.

المستوى الأول في التحليل يتعلق بالفاعلين المباشرين: الحكومات والمؤسسات الأمنية والوسطاء والمنظمات المحلية والجهات الدولية. لكل طرف تعريف مختلف للمشكلة وللنتيجة المقبولة، وهو ما يفسر لماذا تتعثر الحلول حتى عندما تتوافر مبادرات كثيرة. لا يكفي أن تتقاطع المصالح مؤقتاً؛ فالتحول نحو اتفاق أو سياسة قابلة للاستمرار يحتاج إلى آلية تنفيذ ومواعيد ومسؤوليات محددة وضمانات تمنع الطرف الأقوى من إعادة تفسير الالتزامات بعد بدء التطبيق.

أما المستوى الثاني فيتصل بتجربة السكان الذين يتحملون أثر القرارات. الأرقام والبيانات الرسمية مهمة، لكنها قد تخفي اختلافات كبيرة بين المناطق والفئات الاجتماعية، وبين من يملك وسيلة للحركة أو الحماية ومن لا يملكها. لذلك يجب اختبار كل سياسة بسؤال بسيط: كيف تنعكس على الأمن الشخصي والغذاء والماء والصحة والتعليم والعمل وحرية الوصول إلى الأرض؟ هذه الزاوية لا تستبدل التحليل السياسي، بل تمنحه معياراً واقعياً يقيس النتائج بعيداً عن لغة البيانات الدبلوماسية المجردة.

تتطلب المادة أيضاً فحصاً للمصطلحات المستخدمة. عبارات مثل الأمن والتهدئة والإدارة المؤقتة والردع والإصلاح قد تحمل معاني متعارضة باختلاف المتحدث. ما يُقدم بوصفه إجراءً أمنياً قد يراه السكان قيداً جماعياً، وما يُطرح كترتيب انتقالي قد يتحول إلى واقع دائم إذا غابت المدة والرقابة. ولهذا تتجنب هذه القراءة تبني مفردات أي طرف من دون شرح، وتعيدها إلى مؤشرات قابلة للملاحظة مثل حركة السكان وتدفق السلع وتراجع العنف ووجود مساءلة فعلية.

في البعد القانوني، لا تلغي تعقيدات الصراع المبادئ الأساسية المتعلقة بحماية المدنيين ومنع التهجير واحترام الملكية والوصول إلى المساعدات والتحقيق في الانتهاكات. لكن الإشارة إلى القانون لا تصبح مؤثرة إلا عندما تقترن بجمع الأدلة وحفظها، وبجهة تملك صلاحية التحقيق، وبنتائج معلنة يمكن مراجعتها. الفجوة بين القاعدة القانونية وتطبيقها هي أحد أسباب تكرار الأزمات؛ فالإدانة التي لا يعقبها إجراء تترك المتضررين بلا حماية وتمنح الانتهاك فرصة للتحول إلى ممارسة اعتيادية.

اقتصادياً، تمتد آثار القضية إلى ما وراء الحدث المباشر. تعطيل الأسواق أو الطرق أو الطاقة والمياه يرفع الكلفة على الأسر والبلديات والمؤسسات، ويخلق مساحات لاقتصادات الظل والاحتكار والوساطة. ومع طول الأزمة تتحول الحلول الطارئة إلى نظام مصالح يصعب تفكيكه، لأن جهات متعددة تبدأ في الاستفادة من الندرة والغموض. ولهذا لا يمكن تقييم أي خطة من دون معرفة مصادر التمويل وآليات الرقابة وكيفية توزيع الموارد ومن يتحمل الخسارة إذا فشل التنفيذ أو عاد التصعيد.

إقليمياً، يرتبط الملف بشبكة من العلاقات تشمل الدول العربية والقوى الدولية ومسارات الطاقة والتجارة والأمن. وقد تتغير مواقف الأطراف تبعاً لأولويات داخلية لا تظهر في التصريحات المعلنة، مثل الانتخابات أو الضغوط الاقتصادية أو التنافس بين مؤسسات الحكم. هذا التشابك يجعل الاتفاقات الجزئية مفيدة لخفض الضرر، لكنه يحد من قدرتها على معالجة جذور المشكلة. ومن هنا ينبغي قراءة التحركات الدبلوماسية بوصفها إدارة لموازين متغيرة، لا دليلاً تلقائياً على اقتراب تسوية نهائية.

يطرح ذلك ثلاثة مسارات محتملة. الأول هو استمرار إدارة الأزمة بأدوات مؤقتة، بما يبقي مستوى العنف والضغط قابلاً للارتفاع عند كل خلاف. الثاني هو تفاهم محدود يثبت الهدوء أو ينظم جانباً واحداً من القضية من دون حل سياسي شامل. أما الثالث فيقوم على ربط الأمن بالحقوق والإدارة بالشرعية والإعمار بالمساءلة ضمن جدول قابل للتحقق. المسار الثالث هو الأكثر صعوبة، لكنه الوحيد القادر على تحويل الوقت من عامل يراكم الضرر إلى فرصة لبناء استقرار حقيقي.

عند تقييم الأدلة، يجب الانتباه إلى هوية المصدر وطريقة جمع المعلومات. التقارير الميدانية تعتمد على الوصول إلى الشهود والمواقع، والمؤسسات الحقوقية تستخدم منهجاً توثيقياً، بينما تقدم مراكز الأبحاث تقديرات مبنية على مؤشرات مفتوحة وافتراضات تحليلية. لكل نوع قيمة وحدود. لذلك تُنسب الأرقام والادعاءات إلى أصحابها، ويُشار إلى غياب التحقق المستقل عندما يكون الوصول محدوداً، ولا تُستخدم شهادة واحدة لتعميم نتيجة على مشهد كامل شديد التنوع والتغير.

تساعد المقارنة الزمنية على تجنب قراءة الحدث كأنه منفصل عما سبقه. بعض التطورات تبدو جديدة في عنوانها، لكنها امتداد لمسارات تراكمت عبر سنوات: ضعف المؤسسات، توسع السيطرة على الأرض، غياب المساءلة، أو استخدام الضغط الاقتصادي أداة سياسية. وفي المقابل قد تفتح التحولات المفاجئة نافذة مختلفة إذا تغيرت موازين القوى أو ظهرت ضمانات جديدة. المهم هو تحديد ما تغير فعلاً في السلوك والقدرة، لا الاكتفاء بتغير الخطاب أو أسماء المبادرات.

مسؤولية الصحافة هنا مزدوجة: نقل ما حدث بدقة، ثم منع السرعة من اختزال الواقع. إعادة الصياغة لا تعني تبديل كلمات النص الأصلي، بل بناء مادة مستقلة تستند إلى الوقائع المعلنة وتضيف السياق والمقارنة وحدود المعرفة. لهذا لا تنقل سابا الإخبارية الفقرات المحمية ولا تنسب لنفسها عملاً ميدانياً أجراه ناشر آخر؛ بل تذكر الموقع والكاتب أو المؤسسة صاحبة المادة، وتوضح أين تبدأ القراءة التحريرية الجديدة وأين تنتهي المعلومات المنسوبة.

الخلاصة أن قراءة موسعة في حجة لوموند: نجاح الاتفاق النووي عام 2015 لم يؤسس قوة أوروبية مستقلة، بل قام على ظرف استثنائي وشخصنة التفاوض؛ لذلك غابت القارة حين تغيرت واشنطن والنظام الدولي. لا يمكن التعامل معها كعنوان عابر. القيمة الحقيقية للمادة تكمن في ربط القرار بنتيجته، والادعاء بدليله، والمبادرة بشروط نجاحها. وسيبقى الحكم النهائي رهناً بما يحدث على الأرض: هل تتراجع المخاطر على المدنيين؟ هل تصبح الموارد والخدمات أكثر انتظاماً؟ هل توجد جهة مسؤولة يمكن مساءلتها؟ وهل يفتح المسار أفقاً سياسياً قابلاً للحياة، أم يعيد إنتاج الأزمة بصيغة مؤقتة جديدة؟

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في لوموند باسم بيير رامون، باحث في العلوم السياسية بتاريخ 28 أغسطس 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←Financial Timesمن الاحتلال العسكري إلى الإدارة المدنية: نقل الشرطة في الضفة كخطوة ضم بلا إعلانقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية