تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
صندوق الاقتراع في سوق العملات: لماذا يربط المستثمرون مستقبل الشيكل بسياسات إسرائيل في غزة والضفة؟
تحليل لما تكشفه تقديرات جيه بي مورغان عن تسعير الانتخابات الإسرائيلية: المؤسسات والقضاء والعلاقة مع الحلفاء وسياسات الحرب والاحتلال أصبحت عوامل نقدية لا ملفات سياسية منفصلة.
قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، لم يعد السؤال الاقتصادي مقتصراً على الموازنة أو سعر الفائدة. تقرير رويترز المنشور في 27 أغسطس ينقل تقدير جيه بي مورغان بأن نتيجة الاقتراع قد تحرك الشيكل بنحو 3 في المئة صعوداً أو هبوطاً، لأن المستثمرين يربطونها باتجاه النظام القضائي وبالعلاقات مع الحلفاء وبالسياسات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذه النسبة ليست توقعاً يقينياً ولا نتيجة استطلاع انتخابي رسمي؛ إنها سيناريو صادر عن محللي بنك استثماري وتبقى قابلة للتغير. وقد نسب البنك احتمالاً قدره 55 في المئة لفوز معارضة يقودها غادي آيزنكوت، مع تنبيه إلى تعقيد الحسابات وإلى أن الاستطلاعات سبق أن قللت من قوة حزب الليكود. لذلك يجب الفصل بين تقدير السوق والنتيجة السياسية التي لن تحسم قبل التصويت وتشكيل الائتلاف.
السيناريو الأول يفترض أن فوز المعارضة قد يقوي الشيكل بين 2 و3 في المئة، أساساً لأن مخاوف المستثمرين من تغييرات مؤسسية وقضائية قد تنحسر. السيناريو الثاني يرى أن فوز بنيامين نتنياهو مجدداً قد يضعف العملة بنحو 3 في المئة. أما حكومة واسعة مع مفاوضات ائتلافية طويلة فقد تبقي الحركة محدودة لأن عدم اليقين سيستمر من دون اتجاه واضح.
ما يهم في التقرير ليس الرقم وحده، بل قائمة الأسباب التي وضعها البنك خلفه. رويترز تنقل أن التحولات الكبيرة في السياسة المالية أو الاقتصادية ليست السيناريو الأرجح، ومع ذلك قد تتغير العملة بسبب صورة إسرائيل لدى حلفائها والمستثمرين وبسبب القضاء وسياسات غزة والضفة. أي أن المخاطر السياسية والأخلاقية والقانونية دخلت مباشرة في تقييم رأس المال.
تملك السوق سابقة قريبة. يذكر جيه بي مورغان أن الشيكل ضعف قرابة 10 في المئة أمام الدولار بين بداية 2023، حين طرحت الحكومة تغييرات قضائية شديدة الخلاف، وهجوم السابع من أكتوبر في العام نفسه. لا يسمح هذا التسلسل بعزل أثر كل عامل بدقة، لكنه يثبت حساسية العملة لتآكل الثقة المؤسسية وللصدمة الأمنية.
العملة في هذا السياق مقياس لتوقعات متراكمة وليست استفتاءً أخلاقياً. قد يبيع المستثمر الشيكل لأنه يتوقع خروج رأس المال أو تراجع التصنيف أو توتر العلاقة مع الشركاء، لا لأنه يتخذ موقفاً سياسياً من الحرب. ومع ذلك، حين تصبح سياسات الضفة وغزة جزءاً من نموذج المخاطر، فإن القرارات الميدانية تنتقل من المجال الأمني إلى تكلفة التمويل والاستثمار.
تستند قوة الاقتصاد الإسرائيلي إلى قطاع تكنولوجيا متطور وتدفقات خارجية ومؤسسات مالية قادرة على التدخل. ولهذا رأى البنك أن ميزان المخاطر العام ما يزال متوازناً، وأن بنك إسرائيل قد يقاوم ارتفاعاً مبالغاً فيه للعملة. هذه عناصر قوة حقيقية، لكنها لا تلغي السؤال عن المدة التي يستطيع فيها الاقتصاد فصل تفوقه التقني عن عزلة سياسية أو حرب ممتدة أو صراع داخلي على قواعد الحكم.
تكشف تسعيرات الخيارات في سوق الصرف مفارقة أخرى. فالسوق كانت تتوقع حركة تقارب 1 في المئة حول الانتخابات، بينما رأى محللو البنك أن هذا أقل من الخطر المحتمل. قد يعني ذلك أن المتعاملين يثقون في تدخل البنك المركزي واستمرار قطاع التكنولوجيا، أو أنهم لم يسعروا بالكامل أثر ائتلاف غير متوقع وسياسات أكثر حدة بعد التصويت.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا ينبغي اختزال الدلالة في ما إذا كان الشيكل سيصعد أو يهبط. فالتقرير لا يقول إن فوز المعارضة سيغير تلقائياً واقع الاحتلال أو ينهي الحرب، كما أن آيزنكوت نفسه يأتي من خلفية عسكرية وله مواقف أمنية واضحة. ما يقوله هو أن المستثمرين يميزون بين درجات المخاطر المؤسسية والدبلوماسية، لا بين حل سياسي شامل واستمرار النزاع.
لهذا يجب تجنب قراءة سيناريو قوة الشيكل كحكم على عدالة سياسات مرشح. السوق قد تكافئ وضوح القواعد والتحالفات حتى إذا لم يحدث تحول جذري في الحقوق الفلسطينية. وفي المقابل قد تعاقب حكومة بسبب نزاعها مع القضاء أو الغرب أكثر مما تعاقبها على وقائع ميدانية لا تترجم فوراً إلى عقوبات أو نزوح للاستثمار.
الاختبار الأعمق يأتي بعد الانتخابات. فإذا فازت معارضة ثم أبقت السياسات الأساسية في غزة والضفة بلا تغيير، قد يتبدد جزء من التفاؤل الدبلوماسي. وإذا فاز نتنياهو لكنه شكل ائتلافاً واسعاً وقلل الصدام مع المؤسسات والحلفاء، قد تكون الخسارة أقل من التقدير. الاستجابة الفعلية ستتبع تشكيل الحكومة وبرنامجها لا اسم الفائز فقط.
كما أن علاقة الشيكل بالسياسة تمر عبر قنوات قابلة للقياس: تدفقات الاستثمار في التكنولوجيا، شراء السندات، كلفة التأمين على الدين، الاحتياطيات، قرارات التصنيف، والسياحة والتجارة. متابعة هذه المؤشرات بعد الاقتراع أكثر فائدة من تحويل نسبة الثلاثة في المئة إلى نبوءة. فالسوق تعيد التسعير مع كل معلومة جديدة.
الخلاصة أن تقرير رويترز يكشف تحولاً مهماً في صورة الاقتصاد الإسرائيلي. لم تعد غزة والضفة والقضاء ملفات يمكن وضعها خارج شاشة الأسواق؛ لقد أصبحت جزءاً من سؤال الثقة والاستقرار والعلاقة مع الغرب. لكن أثرها سيظل متفاوتاً ما لم تنتقل الانتقادات الدولية إلى إجراءات اقتصادية أو يتغير سلوك المستثمرين على نحو مستدام.