تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
هرمز على طاولة الوسطاء: هل يتحول الممر البحري من ورقة حرب إلى أساس لتسوية إقليمية؟
قراءة في انتقال الوساطة القطرية والعُمانية من تثبيت هدنة هشة إلى التفاوض على شروط الملاحة، وفي الفجوة بين إعلان فتح المضيق وعودة السفن فعلياً إلى مستويات ما قبل الحرب.
دخل ملف مضيق هرمز في 28 أغسطس 2026 مرحلة جديدة لا تعني انتهاء الأزمة، بل انتقال مركزها من التهديد العسكري إلى التفاوض على شروط الملاحة. تقرير رويترز يفيد بأن الوسيطين القطري والعُماني يركزان الآن على إعادة الحركة الطبيعية في الممر، وأن طهران وافقت على إعداد قائمة بالشروط التي تراها لازمة لذلك. الواقعة الجديدة هنا هي قبول مناقشة شروط مكتوبة؛ أما إمكان التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ فما يزال تقديراً مفتوحاً.
تنبع أهمية التحول من أن المضيق لم يعد مجرد مسرح جانبي للحرب. قبل اندلاعها كان يعبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، ولذلك استطاعت إيران تحويل الخطر على السفن إلى رافعة تفاوضية تمس الأسعار والتأمين والاقتصاد الخليجي. ومع تراجع المرور إلى جزء صغير من مستواه الطبيعي، أصبحت استعادة الملاحة مصلحة مشتركة حتى بين أطراف تختلف جذرياً على العقوبات والملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي.
بحسب رويترز، شدد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني خلال زيارته طهران على حرية الملاحة وفق القانون الدولي. وبعد الزيارة قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن بلاده تعد قائمة بالشروط. هذه تصريحات منسوبة إلى أصحابها، ولا تثبت بحد ذاتها قبول الولايات المتحدة أو شركات الشحن بما ستطلبه طهران.
العقدة الأولى تتعلق بتعريف كلمة «مفتوح». القيادة المركزية الأميركية تقول إن الممرات الدولية مفتوحة وإن القوات أزالت ألغاماً وساعدت عدداً كبيراً من السفن على العبور. في المقابل، تبين بيانات تتبع الملاحة التي نقلتها رويترز أن النشاط ظل في نطاق يراوح تقريباً بين 5 و15 في المئة من المعتاد، وأن سبع سفن سلع فقط عبرت يوم الخميس مقابل متوسط عشرة أيام بلغ 15 سفينة. قانونياً قد يكون الممر مفتوحاً، لكن اقتصادياً لا يعود مفتوحاً ما دامت الشركات ترى أن المخاطر غير قابلة للتأمين.
هذه الفجوة بين السيطرة العسكرية وثقة السوق هي مفتاح التحليل. إزالة لغم أو مرافقة سفينة تعالج خطراً محدداً، لكنها لا تلغي احتمال الاستهداف ولا توحد قواعد المرور ولا تمنع تغيير الشروط من جانب واحد. شركات النقل تحتاج إلى مسار مستقر، وآلية اتصال، وضمان مسؤولية، وأسعار تأمين يمكن تحملها؛ ومن دون ذلك ستفضل طرقاً أطول أو ستبقي السفن خارج المنطقة.
العقدة الثانية هي المقابل السياسي. سبق أن ربطت إيران عودة الملاحة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها ورفع العقوبات والحصول على تعويضات. ولم يتضح، حتى وقت نشر تقرير رويترز، ما إذا كانت القائمة الجديدة ستخفف هذه المطالب أو تعيد ترتيبها على مراحل. لذلك لا ينبغي تقديم الاستعداد لكتابة الشروط بوصفه تنازلاً إيرانياً نهائياً؛ قد يكون محاولة لتحويل النفوذ البحري إلى مكسب اقتصادي وسياسي رسمي.
أما المقترح الذي يجري بحثه مع عُمان فيقوم، وفق التصريحات الإيرانية، على ممر مركزي يمر في مياه عُمانية وإيرانية وعلى صورة من إدارة الحركة وتقاسم الإيرادات. هذا التصور قد يمنح كل طرف مصلحة في الاستقرار، لكنه يثير أسئلة قانونية وعملية: من يمنح الإذن؟ من يراقب الامتثال؟ كيف تُحل الحوادث؟ وهل تصبح الإيرادات مقابلاً مفروضاً على الملاحة الدولية أم جزءاً من خدمة متفق عليها؟ لا توجد بعد وثيقة منشورة تجيب عن هذه الأسئلة.
تقدم المنظمة البحرية الدولية معياراً مستقلاً لحجم الضرر. فحتى 26 أغسطس سجلت 70 حادثة مؤكدة في المضيق والشرق الأوسط و19 وفاة بين البحارة. هذه حصيلة موثقة للحوادث وليست نسبة إلى طرف واحد، وهي تفسر لماذا لا تكفي البيانات السياسية المطمئنة لإعادة الشركات فوراً. كل حادث جديد يعيد تسعير الخطر على السفينة والطاقم والشحنة والميناء.
سياسياً، يؤدي انسحاب واشنطن من المحادثات المباشرة وتركيزها على الضغط الاقتصادي إلى توسيع دور قطر وعُمان وباكستان. الوسطاء لا يملكون فرض اتفاق، لكنهم يوفرون قنوات حين تصبح الرسائل المباشرة شديدة الكلفة داخلياً. نجاحهم يتطلب ترتيباً متدرجاً: خطوة قابلة للقياس في حركة السفن مقابل خطوة محددة في الضغط الاقتصادي أو الضمانات، لا صفقة شاملة مؤجلة إلى نهاية نزاعات عديدة.
توجد ثلاثة اختبارات للحكم على جدية المسار. الأول نشر شروط واضحة ومحددة بدلاً من عبارات عامة عن السيادة والحرية. الثاني ارتفاع مستمر في عدد السفن المؤمنة والعابرة، لا عبور قوافل محمية استثنائية. والثالث انخفاض الحوادث ووجود آلية مشتركة للتحقيق والتعويض. إذا تحققت هذه المؤشرات معاً يمكن الحديث عن انتقال من إدارة الخطر إلى تسوية بحرية.
بالنسبة إلى دول الخليج، فتح المضيق ليس قضية صادرات نفط وغاز فقط. إنه شرط لاستقرار الغذاء والدواء ومواد البناء والطيران والتمويل. وقد أظهرت الأشهر الستة الماضية أن المنشآت الواقعة خارج إيران تستطيع تحمل كلفة الحرب حتى عندما لا تكون طرفاً في قرار التصعيد. ولهذا لدى الدوحة ومسقط مصلحة مباشرة في فصل الملاحة المدنية قدر الإمكان عن المساومات العسكرية.
لكن الفصل الكامل قد يكون مستحيلاً ما دام المضيق إحدى أدوات الردع الإيرانية وما دامت العقوبات الأميركية تستهدف قدرة طهران على التجارة. التسوية الواقعية، إن نشأت، ستكون على الأرجح نظاماً لإدارة الاعتماد المتبادل: إيران تحصل على فائدة ملموسة من استقرار المرور، والولايات المتحدة والخليج يحصلان على حركة قابلة للتحقق، بينما يبقى الخلاف النووي والسياسي في مسار منفصل أو موازٍ.
الخلاصة أن دبلوماسية هرمز حققت بداية إجرائية لا اختراقاً نهائياً. إعداد قائمة شروط ووجود قناة قطرية عُمانية أفضل من تبادل التهديدات وحده، لكن المعيار ليس البيان بل السفينة التي تعبر بلا مرافقة استثنائية ولا قسط تأمين عقابي. وحتى يظهر اتفاق منشور وآلية تنفيذ وتدفق مستقر، سيبقى المضيق مفتوحاً بالمعنى العسكري ومغلقاً جزئياً بالمعنى الاقتصادي.