SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

أسواق العالم تتجاهل الحرب والخليج يدفع الثمن: كيف أعاد صراع إيران تسعير الطاقة والغذاء والملاذات الآمنة؟

قراءة موسعة في مفارقة صعود الأسهم العالمية بدعم طفرة الذكاء الاصطناعي، بينما تتحمل الطاقة والغذاء واقتصادات الخليج الكلفة الأشد بعد ستة أشهر من الحرب.

مبنى بورصة نيويورك في صورة حديثة، يناير 2025 · صورة فوتوغرافية حقيقية من ويكيميديا كومنز؛ الترخيص واسم المصور في الرابط
مبنى بورصة نيويورك في صورة حديثة، يناير 2025 · صورة فوتوغرافية حقيقية من ويكيميديا كومنز؛ الترخيص واسم المصور في الرابطبيانات الصورة والترخيص ↗المصدر: رويترز · الكاتب: كارين ستروهيكر ومارك جونز

بعد ستة أشهر من الحرب مع إيران، لا تعرض الأسواق العالمية صورة موحدة عن أثر الصراع. تحليل نشرته رويترز صباح 27 أغسطس 2026 يرصد مفارقة لافتة: الطاقة والغذاء واقتصادات الخليج تلقت صدمة مباشرة، بينما واصلت الأسهم العالمية الصعود بدفع من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. النتيجة ليست أن الحرب بلا كلفة، بل أن رأس المال وزع الكلفة بصورة شديدة التفاوت بين القطاعات والمناطق.

الوقائع السوقية التي تجمعها رويترز تظهر أن خام برنت تجاوز لفترة وجيزة 120 دولاراً للبرميل في أبريل، وأن متوسطه في 2026 اقترب من 90 دولاراً مقارنة بنحو 70 دولاراً في العام السابق. لكن السعر الفوري للنفط ليس المؤشر الوحيد؛ فالديزل والوقود المكرر تعرضا لضغط أكبر، لأن اضطراب الممرات البحرية والمصافي والمخزونات يضرب المنتجات التي تحتاجها الشاحنات والزراعة والتدفئة مباشرة.

وفي تحديث منفصل في اليوم نفسه، سجلت رويترز تراجع برنت إلى نحو 87 دولاراً مع توقعات بإمكان إجراء محادثات وتخفيف أزمة الإمداد، بينما ظلت تدفقات مضيق هرمز عند جزء محدود من مستويات ما قبل الحرب. هذا الهبوط يعكس تسعير احتمال الانفراج الدبلوماسي، ولا يثبت أن الخطر المادي على الإمدادات انتهى. الفارق بين توقع السوق والواقع البحري هو المساحة التي قد تنتج منها قفزات جديدة في الأسعار.

تؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات نواتج التقطير بقيت ضيقة في الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس، مع استمرار معدلات تشغيل مرتفعة للمصافي. الدلالة أن أي صدمة جديدة في الشتاء قد تظهر أولاً في الديزل ووقود التدفئة، ثم تنتقل إلى كلفة النقل والإنتاج، حتى لو لم يعد خام برنت إلى ذروته السابقة.

في المقابل، بدت الأسهم العالمية وكأنها تنتمي إلى قصة أخرى. تنقل رويترز أن مؤشراً عالمياً لأسهم 47 دولة بلغ قيمة سوقية قياسية تقارب 105 تريليونات دولار، مضيفاً نحو سبعة تريليونات منذ بدء الحرب. المحرك الأبرز كان التفاؤل المرتبط بالذكاء الاصطناعي وأرباح شركات التكنولوجيا، ما وفر وزناً مضاداً لصدمة الطاقة والجغرافيا السياسية.

هذه المرونة لا تعني أن المستثمرين تجاهلوا الحرب بالكامل. إنها تكشف أن الأسواق تستطيع فصل الشركات المستفيدة من دورة تكنولوجية عالمية عن الدول والقطاعات الواقعة قرب الجبهة. لذلك صعد المؤشر الكلي، بينما تخلفت أسواق الخليج وتعرضت الشركات المرتبطة بالعقار والطيران والطاقة الإقليمية لضغط أشد. المتوسط العالمي أخفى تفاوتاً جغرافياً كبيراً.

حتى الملاذات الآمنة لم تؤد دوراً ثابتاً. بحسب حسابات رويترز، ارتفع الدولار بنحو 1.4 في المئة منذ بداية الحرب، بينما سجلت سندات الخزانة الأميركية عائداً كلياً سلبياً يقارب 3.5 في المئة. وهبط الذهب بنحو الربع قبل أن يستعيد أكثر من 15 في المئة خلال أغسطس. السبب أن الخوف من الحرب تزاحم مع التضخم وتوقعات أسعار الفائدة والديون الأميركية وسيولة المستثمرين.

الاستنتاج التحريري هنا أن وصف أصل ما بأنه ملاذ آمن لا يضمن ارتفاعه في كل أزمة. الذهب قد يتراجع عندما يحتاج المستثمرون إلى السيولة أو يقوى الدولار، والسندات قد تتضرر عندما ترفع صدمة الطاقة توقعات التضخم. لذلك كانت الحرب اختباراً للعلاقة بين الخطر الجيوسياسي والسياسة النقدية، لا مجرد اندفاع آلي نحو الدولار والذهب.

الصدمة الأبطأ ظهوراً تقع في الغذاء والأسمدة. إغلاق أو اضطراب هرمز لا يهدد شحن النفط فقط؛ فالمنطقة عقدة مهمة لتجارة الغاز والمواد الداخلة في صناعة الأسمدة. وأي نقص في المدخلات أو ارتفاع في كلفة الشحن يظهر لاحقاً في موسم الزراعة ثم في أسعار الحبوب والسلع الغذائية، ما يجعل الأثر على الأسر متأخراً عن شاشة تداول النفط.

تمنح بيانات منظمة الأغذية والزراعة هذا التحذير أساساً ملموساً: ارتفع مؤشر أسعار الحبوب في يوليو 2026 بنسبة 3.4 في المئة عن يونيو و6.9 في المئة عن العام السابق، وقفز مكون القمح 5.8 في المئة خلال شهر. لا تنسب المنظمة الارتفاع كله إلى حرب إيران، إذ تتداخل أحوال الطقس واضطرابات أوكرانيا وتوقعات المحاصيل، لكن تعطل الأسمدة والطاقة يضيف قناة ضغط جديدة إلى سوق هش أصلاً.

تدفع الدول منخفضة الدخل الثمن بصورة أكبر لأن الغذاء والطاقة يستحوذان على حصة أعلى من إنفاق الأسرة، ولأن حكوماتها تملك مساحة مالية أضيق للدعم. قد يبدو أثر الحرب محدوداً في مؤشر أسهم غني تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، لكنه يصبح مباشراً لدى أسرة تدفع سعراً أعلى للخبز والنقل والكهرباء. هذا هو الفارق بين صمود الأصول المالية وصمود الاقتصاد الاجتماعي.

الخليج هو الحلقة الأكثر انكشافاً. تنقل رويترز انخفاض الصادرات السعودية بنحو 10 في المئة خلال النصف الأول، وتقديراً من جيه بي مورغان بتراجع مبيعات العقارات في دبي بين 70 و80 في المئة، وتقديراً من أكسفورد إيكونوميكس بانكماش الناتج القطري قرابة 30 في المئة. هذه تقديرات مؤسسات خاصة ومنسوبة إليها، وليست حساباً نهائياً، لكنها توضح حجم الصدمة حين تجتمع الطاقة والطيران والعقار والثقة في نقطة واحدة.

كما تشير رويترز إلى تراجع أسهم قطر والإمارات بنحو 14 في المئة واتساع كلفة التأمين على الدين البحريني. ويعزز صندوق النقد صورة الضرر الحقيقي بتأكيد أن منشأة رأس لفان القطرية، التي تمثل نحو 17 في المئة من طاقة الغاز الطبيعي المسال العالمية، تعرضت لأضرار كبيرة. هنا يتحول الخطر من تقلب سعر إلى فقدان قدرة إنتاجية يحتاج إصلاحها وقتاً واستثماراً.

تكشف هذه الصورة أن الأسواق المالية العالمية قد تتحمل الحرب أفضل من الاقتصادات القريبة منها. رأس المال ينتقل سريعاً إلى قطاع رابح أو سوق أبعد، لكن الميناء والمصفاة والمنشأة الغازية والفندق وسلسلة الإمداد لا تستطيع تغيير موقعها. ولهذا قد يتعايش رقم قياسي لمؤشر عالمي مع انكماش حاد في دولة مصدرة للطاقة من دون تناقض حسابي.

تفتح المرحلة المقبلة ثلاثة سيناريوهات. فتح هرمز بصورة مستقرة واتفاق قابل للتحقق قد يخفض علاوة الخطر في النفط والشحن ويمنح الخليج فرصة تعافٍ. استمرار عدم اليقين مع تدفقات محدودة يبقي الأسعار متقلبة ويؤجل الاستثمار. أما عودة الضربات الواسعة فستختبر الوقود المكرر والأسمدة والغذاء والديون الإقليمية قبل أن تظهر آثارها الكاملة في مؤشرات النمو.

لذلك لا يكفي متابعة برنت وحده. المؤشرات الأكثر فائدة هي حجم التدفقات الفعلية عبر هرمز، ومخزونات الديزل، وشحنات الأسمدة، ومؤشر الغذاء، وكلفة التأمين على ديون الخليج، وحركة العقار والطيران. الخلاصة أن الأسواق لم تتجاهل الحرب؛ بل جزأتها إلى رابحين وخاسرين، وحجبت طفرة التكنولوجيا عن المؤشر العالمي كلفةً حقيقية تتركز في الخليج وفي ميزانيات الأسر الأكثر هشاشة.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في رويترز باسم كارين ستروهيكر ومارك جونز بتاريخ 27 أغسطس 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

رويترزهرمز على طاولة الوسطاء: هل يتحول الممر البحري من ورقة حرب إلى أساس لتسوية إقليمية؟قراءة التقرير ←رويترزصندوق الاقتراع في سوق العملات: لماذا يربط المستثمرون مستقبل الشيكل بسياسات إسرائيل في غزة والضفة؟قراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية