SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

من المساعدات إلى استعادة الأرض: لماذا أصبحت زراعة غزة شرطاً للأمن الغذائي؟

قراءة موسعة في تقرير ميداني عن مزارعي غزة، وفي الأدلة الأممية التي تظهر أن إنقاذ السكان من الجوع لا يكتمل من دون استعادة الأرض والمياه والمدخلات والحماية اللازمة للإنتاج المحلي.

مزارع يفحص محصول اليقطين الفلسطيني في خان يونس، يونيو 2025 · منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)
مزارع يفحص محصول اليقطين الفلسطيني في خان يونس، يونيو 2025 · منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)بيانات الصورة والترخيص ↗المصدر: The Guardian · الكاتب: سهام طنطش وجوليان بورغر

ينطلق التحقيق الذي نشرته الغارديان في 26 أغسطس 2026 من مشهد يتجاوز قصة الصمود الفردي: مزارعون في غزة يحاولون إعادة إنتاج الغذاء فوق مساحات صغيرة وسط الدمار ونقص المياه والأسمدة والمبيدات والخطر الأمني. حجته الأساسية أن الزراعة لم تعد قطاعاً اقتصادياً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإعمار، بل صارت جزءاً مباشراً من حماية المجتمع من الجوع ومن الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية.

يروي التقرير تجربة مزارعين أعادوا تنظيف قطع من الأرض بأدوات محدودة وزرعوا شتلات خضار وزعوها على منتجين وأسر. هذه الوقائع منسوبة إلى مقابلات الغارديان الميدانية، وليست إحصاءً شاملاً لكل القطاع. لكنها توضح آلية مهمة: حتى الإنتاج الصغير يستطيع زيادة عرض الخضار الطازجة وتخفيف الأسعار محلياً عندما تكون الواردات متقلبة والقدرة الشرائية منهارة.

تؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن المشكلة أوسع من نقص البذور. وبحسب تقديراتها المستندة إلى صور الأقمار الصناعية، لا يتاح الوصول إلا إلى أكثر بقليل من ربع الأراضي الزراعية السابقة للحرب، أي نحو 4,100 هكتار، بينما لا تتجاوز الأرض غير المتضررة والخالية من الركام والجاهزة للزراعة فوراً نحو 450 هكتاراً، أي قرابة 3 في المئة من المساحة الزراعية الأصلية.

هذا الفارق بين الأرض المتاحة والأرض الجاهزة حاسم. فالوصول النظري إلى قطعة أرض لا يعني إمكان الإنتاج إذا كانت التربة ملوثة بالركام أو تفتقر إلى شبكة ري أو تقع قرب مناطق عسكرية. لذلك ينبغي الفصل بين ثلاثة مؤشرات: ملكية الأرض، والقدرة الآمنة على الوصول إليها، والقدرة الفنية والاقتصادية على تشغيلها. الخلط بينها قد يوحي بتعافٍ أكبر بكثير مما يحدث فعلاً.

ينقل التحقيق أن أكثر من 80 في المئة من البيوت البلاستيكية دمرت، ويعرض آثار فقدان الأشجار والماشية والمدخلات الزراعية. تنسب سابا الإخبارية هذه النسبة إلى الغارديان، بينما تثبت بيانات الأمم المتحدة بصورة مستقلة أن تدمير الأصول الإنتاجية والقيود على الوصول يمنعان غالبية الأسر من استعادة النشاط الزراعي والاقتصادي. النتيجة ليست انخفاض المحصول فقط، بل تآكل المعرفة وسلاسل التوريد والائتمان الريفي.

في المقابل، تُظهر بيانات التصنيف المرحلي المتكامل أن توسيع المساعدات بعد وقف إطلاق النار حسّن استهلاك الغذاء مقارنة بذروة الأزمة، لكنه لم ينهها. يتوقع التحليل المنشور في 23 يوليو أن يواجه أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67 في المئة من سكان القطاع، مستوى الأزمة أو أسوأ بين يوليو وديسمبر 2026، بينهم 212 ألفاً في مستوى الطوارئ.

هذه الأرقام تكشف الفرق بين منع المجاعة وبناء الأمن الغذائي. المساعدات تستطيع خفض الخطر الآني إذا دخلت بانتظام ووصلت إلى السكان، لكنها تبقى مرتبطة بالمعابر والتمويل والقرارات السياسية والأمنية. أما الإنتاج المحلي فيضيف مصدراً أقرب إلى المستهلك، ويحسن تنوع الغذاء، ويوفر دخلاً، ويمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة أي انقطاع جديد.

ومع ذلك، لا يجوز تقديم الزراعة المحلية بديلاً من المساعدات في المرحلة الراهنة. وثيقة الأمن الغذائي تقدر أن 90 في المئة من السكان قد يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي لولا الدعم الإنساني حتى نهاية العام. المعادلة الصحيحة تقوم على مسارين متزامنين: استمرار الإغاثة بالحجم والنوعية اللازمين، وفتح الطريق تدريجياً أمام استعادة سبل العيش والإنتاج.

لذلك لا يقتصر برنامج التعافي الزراعي على توزيع البذور. يحتاج القطاع إلى إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وفحص التربة والمياه، وإصلاح الآبار وشبكات الري، وإدخال الأسمدة والمبيدات والوقود والمعدات، وتعويض المزارعين عن الأصول المدمرة، واستعادة التخزين والنقل والأسواق. ومن دون ائتمان أو منح صغيرة، لن يستطيع المنتج الذي فقد أرضه ومعداته تمويل موسم جديد.

الأمن هو الشرط السابق لكل هذه الخطوات. الغارديان تنقل شهادات عن مقتل مزارعين أو تعرضهم للنيران أثناء العمل، فيما ينفي الجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين ويقول إن عملياته ترد على تهديدات وشيكة. هذه روايات متعارضة يجب عرضها منسوبة إلى أصحابها، لكن الحقيقة العملية تبقى أن الأرض التي لا يستطيع المدني الوصول إليها بأمان لا تدخل فعلياً في حساب الإنتاج.

يكشف الملف أيضاً أن حدود السيطرة العسكرية تحمل أثراً غذائياً مباشراً. كل توسع لمنطقة يمنع الفلسطينيون من دخولها قد يقتطع أرضاً خصبة أو بئراً أو طريقاً زراعياً، ويزيد الضغط على الرقعة الصغيرة المتبقية. ولهذا ينبغي قياس أي ترتيبات ميدانية في غزة ليس فقط بعدد الضربات، بل أيضاً بمساحة الأرض التي يستطيع السكان استخدامها بأمان وباستمرار.

اقتصادياً، يستطيع إحياء الإنتاج المحلي تخفيف ثلاثة اختلالات في وقت واحد: ندرة الخضار الطازجة، تضخم الأسعار، وانعدام الدخل. لكنه لن يعيد وحده التوازن إلى سوق فقد معظم قوته الشرائية. يحتاج نجاحه إلى دخول سلع تجارية متنوعة، وسياسة تمنع الاحتكار، ونظام شفاف للمساعدات، وربط المنتجين بالمطابخ المجتمعية والمؤسسات الصحية والتعليمية.

سياسياً، تنقل الزراعة النقاش من إدارة البقاء إلى حق السكان في إعادة بناء حياتهم. إذا استمر النموذج الإنساني قائماً على إدخال الحصص فقط مع بقاء الأرض محظورة والمدخلات ممنوعة، فسيتحول الاعتماد على الإغاثة من حالة طارئة إلى بنية دائمة. أما استعادة الإنتاج فتتطلب وقفاً مستقراً للأعمال القتالية وحرية حركة وضمانات تحمي المدنيين والأصول المدنية.

الخلاصة أن التحقيق الميداني لا يقدم قصة رومانسية عن انتصار الإرادة على الدمار. إنه يوضح حدود الصمود حين يُترك المزارع من دون أرض آمنة أو ماء أو أدوات. المعيار الحقيقي للتعافي هو زيادة المساحة القابلة للزراعة، واستقرار إنتاج الغذاء، وتحسن تنوع الوجبات والدخل، وانخفاض الاعتماد القسري على المساعدات من دون تعريض السكان لخطر جديد.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في The Guardian باسم سهام طنطش وجوليان بورغر بتاريخ 26 أغسطس 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

رويترزستة أشهر بلا حسم: كيف تحولت حرب إيران إلى استنزاف أميركي وإقليمي مفتوح؟قراءة التقرير ←رويترزأسواق العالم تتجاهل الحرب والخليج يدفع الثمن: كيف أعاد صراع إيران تسعير الطاقة والغذاء والملاذات الآمنة؟قراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية