تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
مقام يوسف يعود إلى قلب التصعيد في نابلس: اقتحام واسع بمشاركة نحو 3 آلاف إسرائيلي وسط مساعٍ لتوسيع الوجود في الموقع
اقتحام عسكري واسع للمنطقة الشرقية من نابلس أمّن دخول آلاف الإسرائيليين إلى المقام، بينما تكشف تغطيات عبرية سابقة أن الزيارة تندرج في مسار سياسي واستيطاني يسعى إلى تحويل الدخول الدوري إلى وجود أكثر انتظاماً.

تحول مقام يوسف في المنطقة الشرقية من مدينة نابلس مجدداً إلى بؤرة توتر خلال ليلة الأربعاء وفجر الخميس 26 و27 أغسطس 2026، بعد اقتحام عشرات الآليات العسكرية الإسرائيلية المنطقة من أكثر من محور، ترافقها جرافة، لتأمين دخول حافلات تقل إسرائيليين إلى الموقع. وأفادت مصادر محلية بأن القوات أغلقت الطرق المؤدية إلى محيط المقام وفرضت انتشاراً عسكرياً واسعاً في شارع عمان وبلاطة البلد ومداخل المنطقة الشرقية، ما قيد حركة السكان طوال ساعات الاقتحام.
ونقلت القناة 14 الإسرائيلية أن نحو ثلاثة آلاف إسرائيلي وصلوا إلى المقام خلال الزيارة الليلية. ويظل هذا الرقم منسوباً إلى القناة الإسرائيلية، بينما استخدمت المصادر الفلسطينية وصف مئات أو آلاف المستوطنين من دون نشر إحصاء مستقل نهائي. ولهذا تعتمد سابا الإخبارية في العنوان صيغة «نحو ثلاثة آلاف إسرائيلي» بوصفها التقدير المنشور الأكثر تحديداً، ولا تحوّلها إلى حصيلة مؤكدة من جهة فلسطينية أو دولية.
وأظهرت تغطيات محلية وجود الصحفيين والطواقم الطبية قرب المنطقة التي انتشرت فيها القوات، مع إطلاق قنابل غاز لإبعاد الموجودين عن مسار الاقتحام. وحتى إعداد هذا التقرير لم يتوافر إعلان طبي موثق عن حصيلة إصابات مرتبطة باقتحام الليلة. كما لم نعثر على بيان عسكري إسرائيلي مؤرخ بالليلة نفسها يقدم رواية مفصلة عن إطلاق نار أو عبوات أو إصابات؛ لذلك استُبعدت من هذه النسخة أي تفاصيل أمنية وردت في بيانات عن زيارات سابقة للمقام.
تكمن أهمية الاقتحام في أنه لم يكن دخولاً فردياً أو غير منسق، بل عملية أمنية واسعة خُصصت لها آليات وجرافة وانتشار على الطرق داخل مدينة تقع في المنطقة المصنفة أ وفق اتفاقات أوسلو. وبينما تقول إسرائيل إن الاقتحامات المنظمة ضرورية لحماية المصلين، يرى الفلسطينيون أن تحويل أحياء مكتظة إلى نطاق عسكري مغلق من أجل الزيارة يمس حياتهم اليومية ويكرس قدرة الجيش والمستوطنين على فرض ترتيبات ميدانية داخل مركز سكاني فلسطيني.
لكن دلالة الليلة تتجاوز حجم القوة وعدد الداخلين. فمتابعة الصحافة الإسرائيلية خلال الشهور السابقة تكشف أن مقام يوسف أصبح جزءاً من مشروع سياسي منظم يسعى إلى تغيير طبيعة الوجود الإسرائيلي في الموقع: من زيارات ليلية دورية ومحدودة زمنياً تحت حماية الجيش، إلى دخول نهاري أطول ثم إلى حضور يهودي أكثر انتظاماً، مع مطالب بإعادة مؤسسة دينية كانت تعمل في المجمع قبل انسحاب القوات الإسرائيلية منه عام 2000.
في 31 مايو 2026، أفاد موقع واينت بإقامة أول صلاة مدنية إسرائيلية نهارية في المقام منذ الانسحاب عام 2000، بعد أن كانت الزيارات تجرى أساساً ليلاً وتوسعت لاحقاً إلى ساعات الصباح. وقدمت التغطية هذه الخطوة باعتبارها تصعيداً في حملة إعادة الوجود العسكري والديني الدائم إلى الموقع، لا مجرد تعديل تقني في موعد زيارة عادية. وهذا السياق يجعل اقتحام أغسطس حلقة ضمن مسار متراكم ينبغي متابعته سياسياً لا خبراً ميدانياً منفصلاً.
وتقود هذا المسار شخصيات من حركة الاستيطان، في مقدمتها رئيس مجلس مستوطنات السامرة يوسي داغان، إلى جانب أعضاء في الائتلاف الإسرائيلي. ونقل واينت عن داغان قوله إن الهدف الواضح هو إعادة مدرسة «عود يوسف حاي» إلى داخل المجمع ورفع العلم الإسرائيلي فوقه، وربط ذلك بما سماه استعادة السيادة الإسرائيلية الكاملة. هذه أقوال سياسية معلنة تكشف الغاية التي يدفع إليها أصحاب الحملة، لكنها لا تعني أن قراراً حكومياً نهائياً بإقامة وجود دائم قد اتخذ بالفعل.
وكانت المدرسة الدينية قد عملت قرب المقام قبل عام 2000، ثم انتقلت إلى مستوطنة يتسهار بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الموقع. ومنذ ذلك الوقت عادت الزيارات المنظمة تدريجياً تحت حماية الجيش، في حين استمرت دعوات المستوطنين إلى تحويل الاستثناء الأمني إلى قاعدة ثابتة. التدرج مهم: توسيع ساعات البقاء، وزيادة عدد المشاركين، وتكرار الدخول، واستقدام قيادات سياسية، كلها خطوات يمكن أن تنتج واقعاً جديداً حتى من دون إعلان رسمي واحد.
يحمل الموقع نفسه روايات دينية وتاريخية متنازعة. فالتقليد اليهودي ينسبه إلى النبي يوسف بن يعقوب، بينما تورد روايات فلسطينية أنه مقام إسلامي للشيخ يوسف دويكات، كما لا يوجد حسم أثري جامع بشأن هوية المدفون فيه. ولتفادي تحويل التقرير إلى حكم ديني أو أثري، تستخدم سابا الإخبارية تسمية «مقام يوسف» المتداولة محلياً، وتعرض الروايات المختلفة بوصفها روايات لا حقائق أثرية محسومة.
سياسياً، يرتبط النزاع على الاسم والزيارة بسؤال السيطرة على المكان. فالطقس الديني لا يحدث في فراغ، بل يحتاج كل مرة إلى اقتحام عسكري وإغلاق طرق وحماية حافلات داخل مدينة فلسطينية. وعندما يقترن ذلك بخطاب صريح عن السيادة وعودة مؤسسة استيطانية ورفع العلم، يصبح الفصل بين الديني والسياسي أكثر صعوبة، ويتحول الموقع إلى أداة لاختبار حدود السلطة الفلسطينية والقدرة الإسرائيلية على تعديل الواقع داخل المنطقة أ.
تزداد حساسية المشهد في ظل التصعيد الأوسع في محافظة نابلس والضفة الغربية. خلال الأسابيع الأخيرة سجلت اعتداءات متكررة للمستوطنين على القرى والممتلكات، كما تصاعدت التحذيرات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية من اتساع دائرة العنف. وفي هذا المناخ، يمكن لاقتحام واسع لموقع شديد الحساسية أن يرفع مستوى الاحتكاك ويستنزف القوات ويضيف سبباً جديداً للاحتجاج والمواجهة، حتى إذا انتهت الزيارة نفسها من دون حصيلة إصابات معلنة.
كما يتقاطع اقتحام المقام مع جولات سياسية استفزازية شهدتها قرى جنوب نابلس، من بينها دخول عضو الكنيست تسفي سوكوت ومرافقيه إلى قرية مادما تحت حماية الجيش وتحطيم نصب فلسطيني. وأفادت تقارير إسرائيلية بأن وحدات عسكرية حُولت من مهام أخرى لتأمين الجولة، فيما انتقد جنود تخصيص القوة لهذه الأنشطة. لا يعني هذا أن الحدثين عملية واحدة، لكنه يوضح نمطاً تتداخل فيه حركة السياسيين والمستوطنين مع الحماية العسكرية داخل التجمعات الفلسطينية.
من منظور قانوني وسياسي، تبقى المسؤولية الأساسية على القوة القائمة بالاحتلال في حماية السكان المدنيين وتجنب استخدام القوة على نحو غير متناسب وتعطيل الحياة من دون ضرورة ملحة. كما أن حرية العبادة لا تمنح أي طرف حق تحويل موقع متنازع عليه إلى قاعدة لفرض السيادة أو تغيير طبيعته بالقوة. ويحتاج أي ترتيب مستقر إلى احترام السكان والملكية والوضع القائم، وإلى آلية تمنع الزيارات الدينية من أن تصبح مدخلاً لوجود استيطاني دائم.
المراجعة التحريرية لهذا التقرير فصلت بين ثلاث طبقات من المعلومات: وقائع الليلة التي أكدتها المصادر المحلية؛ تقدير عدد المشاركين الذي نشرته القناة 14؛ والمسار السياسي الأوسع الذي وثقه واينت في مايو 2026 وقبل ذلك. كما حذفت رواية سابقة عن تعرض القوات لإطلاق نار لأنها لم ترتبط ببيان رسمي مطابق لتاريخ الاقتحام الحالي. هذا الفصل ضروري حتى لا تختلط وقائع جديدة بتفاصيل صحيحة زمنياً لكنها تخص حوادث أخرى.
الخلاصة أن اقتحام ليلة 26 و27 أغسطس لا يُقرأ فقط باعتباره زيارة دينية واسعة، بل مؤشراً على تقدم مشروع يسعى إلى تطبيع الوجود الإسرائيلي المتكرر داخل شرق نابلس وتحويله تدريجياً إلى حضور أكثر انتظاماً. وما لم يصدر قرار رسمي جديد، تبقى العودة الدائمة والوجود العسكري الثابت مطالب سياسية واستيطانية لا واقعاً قانونياً منجزاً. غير أن حجم الاقتحام، واتساع الحماية العسكرية، والخطوات النهارية السابقة، كلها تجعل مراقبة هذا المسار ضرورة تتجاوز متابعة ليلة واحدة.