SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

اتهامان في ملف واحد: ماذا يعني أن ينسب تحقيق أممي جرائم حرب لواشنطن وجرائم ضد الإنسانية لطهران؟

تقرير موسع في معيار «الأسباب المعقولة للاعتقاد» الذي استخدمته بعثة تقصي الحقائق، وفي الفارق بين إثبات الوقائع والحكم القضائي، ودلالة مساءلة القوة المهاجمة والسلطة الإيرانية عن انتهاكات مختلفة من دون مقايضة حقوق الضحايا.

يضع تقرير جديد لبعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران طرفين متخاصمين أمام معيار قانوني واحد من دون أن يساوي بين أفعالهما: الولايات المتحدة بسبب ضربتين عسكريتين على منشأتين مدنيتين، والسلطات الإيرانية بسبب قمع واسع ومنهجي للاحتجاجات. نقلت رويترز والغارديان النتائج في 17 سبتمبر 2026، قبل عرضها على مجلس حقوق الإنسان في جنيف.

الواقعة الأولى هي ضربة 28 فبراير على مدرسة شجرة طيبة الابتدائية في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان. قالت الغارديان إن 156 مدنيا قتلوا، بينهم 120 طفلا، بينما استخدمت رويترز صيغة أكثر تحفظا فنقلت عن مسؤولين إيرانيين مقتل أكثر من 150 شخصا بينهم نحو 120 تلميذا. الفرق في الصياغة مهم لأن البعثة اعتمدت في جانب من الحصيلة على مصادر رسمية إيرانية، ولم تقدم رويترز الرقم بوصفه تعدادا مستقلا نهائيا.

خلص المحققون إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة نفذت الضربة، وأن المدرسة كانت مبنى مدنيا واضح المعالم ولم يعثروا على دليل على استخدامها لغرض عسكري. وتقول الغارديان إن السلاح كان صاروخ توماهوك وإن معلومات الاستهداف أشارت إلى احتمال وجود قائد عسكري قرب الموقع، لكن قاعدة البيانات لم تُحدّث ولم يُتحقق من أن المبنى هدف عسكري قبل إطلاق الضربة.

هذا التفصيل هو مركز الاستنتاج القانوني. لم تصف البعثة الخطأ بأنه مجرد نتيجة مأساوية لمعلومة ناقصة؛ بل رأت، وفق ما نقلته الصحيفتان، أن توجيه الضربة مع العلم بخطر كبير على جسم مدني والتصرف بتهور تجاوز الإهمال. ومن هنا وصفت الهجوم بأنه عشوائي أدى إلى قتل مدنيين وإتلاف أعيان مدنية، وهو توصيف يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب.

أما الضربة الثانية فاستهدفت مجمعا رياضيا ومنطقة سكنية في لامرد في اليوم نفسه. قالت البعثة إن الهجوم قتل وأصاب 22 مدنيا وألحق أضرارا بمبان سكنية ومدرسة قريبة، وخلصت إلى أنه كان عشوائيا أيضا. القيادة المركزية الأميركية كانت قد قالت في مارس إن القوات الأميركية لم تنفذ ضربة داخل لامرد في ذلك اليوم، لذلك يبقى إسناد المسؤولية محل نزاع علني بين نتيجة البعثة والنفي العسكري.

ردت وزارة الدفاع الأميركية بأن تحقيقها ما زال جاريا ولم تعلن نتيجة، فيما هاجمت متحدثة باسم البيت الأبيض مجلس حقوق الإنسان وقالت إن إيران هي الطرف الوحيد الذي ارتكب جرائم حرب في النزاع. وكان الرئيس دونالد ترامب قد قال في يونيو إن أحدا لم يتعمد ضرب مدرسة. هذه مواقف دفاعية رسمية، لكنها لا تكشف حتى الآن أدلة التحقيق الأميركي أو قاعدة الاستهداف التي تسمح بمقارنتها تفصيلا مع أدلة البعثة.

في الجهة الأخرى، لم تمنح البعثة الحكومة الإيرانية حصانة أخلاقية بسبب تعرض البلاد للهجوم. وجدت أن السلطات نفذت هجوما واسعا ومنهجيا على المدنيين خلال الاحتجاجات التي بدأت أواخر ديسمبر، شمل القتل غير المشروع والتعذيب والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري وقيودا شديدة على حرية التعبير، إضافة إلى قطع الإنترنت واستخدام عقوبة الإعدام.

صنفت البعثة هذه الأنماط جرائم ضد الإنسانية، وهو توصيف يختلف عن جريمة الحرب في عناصره القانونية. جريمة الحرب ترتبط بسلوك محظور خلال نزاع مسلح؛ أما الجريمة ضد الإنسانية فتتطلب هجوما واسعا أو منهجيا موجها ضد سكان مدنيين مع معرفة بطبيعته. جمع التوصيفين في تقرير واحد لا يجعل الحادثتين متساويتين في الحجم أو السياق، بل يوضح أن القانون يختبر كل فعل وفق عناصره.

أعلنت السلطات الإيرانية مقتل 3,038 شخصا وإصابة 25 ألفا في الاضطرابات. قالت البعثة إنها لم تستطع التحقق مستقلا من الحصيلة، لكنها ترجح أن العدد الفعلي للقتلى والمصابين أعلى. وتنسب طهران العنف إلى إرهابيين ومثيري شغب تدعمهم قوى خارجية، بينما تقول منظمات حقوقية إن بين الضحايا متظاهرين ومارة. غياب رقم نهائي لا يلغي نمط الانتهاكات الذي وثقه التحقيق، لكنه يفرض إبقاء الحصيلة منسوبة إلى مصدرها.

الأهمية التحليلية الأولى هي رفض مقايضة الضحايا. تستطيع واشنطن أن تدين قمع الإيرانيين من دون أن يبرر ذلك ضربة عشوائية، وتستطيع طهران أن تطالب بمساءلة عن مدرسة ميناب من دون أن تسقط مسؤوليتها عن قتل وتعذيب مواطنيها. سرد الواقعتين معا يضيق مساحة الدعاية التي تطلب اختيار ضحية واحدة وإنكار الأخرى.

الأهمية الثانية تتعلق بمعيار الإثبات. «الأسباب المعقولة للاعتقاد» ليست حكما جنائيا نهائيا ولا تعني إدانة شخص بعينه بعد محاكمة. بعثة تقصي الحقائق هيئة تحقيق لا محكمة، ولا تصدر أوامر قبض أو تحدد العقوبة. لكنها تجمع وتحلل وتحفظ مواد قد تنتقل لاحقا إلى تحقيقات وطنية أو دولية، وتحدد أين توجد فجوة تحتاج إلى سجلات عمليات وشهادات وأوامر استهداف.

لهذا يصبح امتناع البنتاغون عن نشر نتائج تحقيقه عاملا في النقاش لا دليلا مستقلا على الإدانة. إذا كانت لدى الولايات المتحدة بيانات تنفي مسؤوليتها عن لامرد أو تفسر قاعدة استهداف ميناب، فإن نشر منهج التحقيق والمواد غير السرية يمكن أن يسمح بفحص الادعاء. أما الاكتفاء بالطعن السياسي في مجلس حقوق الإنسان فلا يجيب عن نوع السلاح ومسار القرار وتحديث الهدف.

العقبة الثالثة هي النفاذ إلى العدالة. البعثة لا تستطيع فتح دعوى، والمحكمة الجنائية الدولية لا تملك اختصاصا تلقائيا شاملا على كل واقعة في إيران، كما أن الولايات المتحدة وإيران ليستا طرفين في نظام روما الأساسي. قد تظل مسارات الولاية القضائية الوطنية أو العالمية متاحة في ظروف محددة، لكن الحصانات وصعوبة الوصول إلى المشتبه فيهم وحماية الأدلة تجعل الانتقال من التقرير إلى المحاكمة طويلا وغير مضمون.

مع ذلك، لا تنحصر قيمة التحقيق في قاعة المحكمة. يمكن للنتائج أن تغير قواعد الاستهداف، وتدفع إلى مراجعة قواعد البيانات والتحديث البشري قبل إطلاق السلاح، وتمنح أسر الضحايا أساسا للمطالبة بكشف الحقيقة والتعويض. وبالنسبة إلى إيران، تخلق قائمة الانتهاكات سجلا يمنع اختزال الاحتجاجات في وصف أمني رسمي، ويحفظ أدلة قد يحتاجها قضاء لاحق.

التقدير الصحفي هنا أن التقرير يختبر صدقية فكرة النظام الدولي القائم على القواعد في لحظة حرجة. إذا طُبق القانون على الخصم فقط، يتحول إلى أداة سياسية. وإذا جُمعت الانتهاكات المختلفة وفُحصت بالأدلة نفسها، يمكن الحفاظ على حد أدنى من العالمية حتى عندما تعجز المؤسسات عن فرض العقاب السريع.

ينبغي متابعة ثلاثة أمور بعد عرض النتائج في جنيف: ما إذا كانت البعثة ستنشر تفاصيل منهجية وأدلة إضافية، وما إذا كان البنتاغون سيصدر تحقيقه الكامل أو ملخصا قابلا للفحص، وكيف سترد طهران على اتهامات القمع لا على اتهام واشنطن وحده. هذه الاستجابات ستحدد ما إذا كان التقرير بداية مسار مساءلة أم وثيقة قوية تضاف إلى أرشيف بلا تنفيذ.

الخلاصة أن التقرير لا يقدم مساواة سياسية بين حكومة تحت القصف وقوة مهاجمة، ولا يمنح أي طرف براءة مقابل إدانة خصمه. إنه يفصل المسارين: ضربة مدنية يُشتبه في أنها نفذت بتهور خلال الحرب، وقمع داخلي يُشتبه في أنه كان واسعا ومنهجيا. قوة الوثيقة في رفض الحصانة المتبادلة؛ وحدودها في أن الحقيقة الموثقة لا تتحول وحدها إلى عدالة من دون نشر الأدلة واختصاص قضائي وإرادة تنفيذ.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في رويترز والغارديان باسم أوليفيا لو بوادفان لرويترز؛ بيتر بومونت ووكالات للغارديان بتاريخ 17 سبتمبر 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

الغارديانحين تسقط حيادية النجم: كيف تحولت فلسطين إلى اختبار لسلطة ملاك الملاعب وصناعة الموسيقى؟قراءة التقرير ←The Guardianالجبهة التالية للضم: كيف انتقل عنف المستوطنين إلى قلب مناطق الحكم الفلسطينيقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية