SASABA NEWSسابا الإخبارية · الخبر بسياقهكل التقارير ←

تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية

ما بعد اختناق هرمز: كيف تعيد حرب إيران رسم الموانئ وخطوط الطاقة في الخليج؟

قراءة في انتقال دول الخليج من إدارة أزمة الملاحة إلى استثمارات بعيدة المدى في الموانئ والأنابيب والسكك الحديدية، وما إذا كانت المسارات البديلة تستطيع فعلاً تقليص الاعتماد على مضيق هرمز.

لم تعد أزمة مضيق هرمز، بعد ستة أشهر من حرب إيران، مجرد اضطراب مؤقت تعالجه القوافل المحمية وارتفاع أقساط التأمين. تحليل رويترز المنشور في 28 أغسطس 2026 يرصد تحولاً أعمق: دول الخليج بدأت تعيد ترتيب استثماراتها حول الموانئ والأنابيب والسكك الحديدية حتى لا يبقى معظم تجارتها وصادراتها رهينة ممر بحري واحد. هذه استجابة بنيوية لخطر جيوسياسي تكرر الحديث عنه لعقود ثم تحول إلى خسارة فعلية.

الواقعة الأساسية هي أن المضيق كان قبل الحرب ممراً لنحو 20 في المئة من تدفقات النفط العالمية، إضافة إلى الغاز والسلع والحاويات. وعندما انخفضت الحركة خلال الأشهر الماضية إلى جزء محدود من مستواها المعتاد، ظهرت حدود النموذج الخليجي الذي راكم منشآت إنتاج وتصدير ضخمة على ساحل شديد الحساسية من دون بدائل مساوية في السعة.

تفيد رويترز بأن التجارة يعاد توجيهها إلى موانئ السعودية على البحر الأحمر وإلى موانئ الإمارات الشرقية، لكن القدرة الحالية أصغر من حجم الحركة المعتادة عبر الخليج. لذلك لا يتعلق النقاش بتحويل مسار سفن قليلة، بل ببناء شبكة متكاملة تسمح للنفط والحاويات والمواد الصناعية بالوصول إلى أسواق أخرى من دون المرور بنقطة الاختناق.

برزت الموانئ بوصفها أولوية سيادية. انخفضت مناولة الحاويات والبضائع العامة والسائبة لدى مجموعة موانئ أبوظبي داخل الإمارات بنحو الثلثين في الربع الثاني مقارنة بالعام السابق، وفق ما أوردته رويترز عن بيانات الشركة. كما تراجعت أعمال موانئ دبي العالمية في النصف الأول، بالتوازي مع خطط لمحطتين للحاويات في الفجيرة ومستودعات داخلية تربط الساحل الشرقي بمراكز الاستهلاك.

في قطاع الطاقة، تعمل الإمارات على خط جديد يضاعف القدرة على نقل الخام إلى الفجيرة عند تشغيله العام المقبل، بينما سرعت السعودية خطط توسيع خط أنابيب الخام نحو ساحل البحر الأحمر. أهمية المسارين أنهما ينقلان جزءاً من الصادرات إلى بحر مفتوح خارج المضيق، لكنهما لا يلغيان اعتماد المنطقة على هرمز لأن الغاز القطري والمنتجات المكررة والواردات والحاويات تحتاج إلى حلول أوسع.

قطر هي المثال الأكثر تعرضاً؛ فهي تعتمد كلياً على المضيق في تصدير الغاز الطبيعي المسال، وتواجه كذلك نقصاً في الإنتاج بعد أضرار لحقت بمنشآت الطاقة. أما الكويت فتبحث مع السعودية والإمارات إمكان استخدام شبكات أنابيبهما، والعراق يعمل على زيادة التصدير عبر جيهان التركي ويدرس ممرات إلى بانياس والعقبة. لكل مشروع هنا كلفة سياسية وأمنية عابرة للحدود، لا كلفة هندسية فقط.

تصل الكلفة التقديرية للاستثمارات المطلوبة، وفق المصادر التي استندت إليها رويترز، إلى مئات مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة. الصناديق السيادية قادرة على تمويل جزء كبير، لكن ضخ الأموال في بنية احتياطية يزاحم أولويات أخرى مثل التنويع الاقتصادي والسياحة والتكنولوجيا والخدمات. معنى ذلك أن الحرب لا تفرض خسارة حالية فقط؛ إنها تغير توزيع الاستثمار الخليجي لسنوات.

تدعم الأرقام الاقتصادية منطق الاستعجال. يستند تقرير رويترز إلى استطلاع يتوقع انكماش اقتصادي قطر والكويت بأكثر قليلاً من 8 في المئة هذا العام، ونمو السعودية 1.4 في المئة بعد 4.5 في المئة عام 2025. هذه توقعات خبراء وليست نتائج نهائية، لكنها تظهر كيف يجتمع ضعف الملاحة مع أضرار المنشآت وتراجع الطيران والسياحة في صدمة واحدة.

السكك الحديدية تدخل الخريطة أيضاً. تحدثت تركيا والسعودية عن مشروع يربطهما عبر الأردن وسوريا مع احتمال انضمام دول خليجية. إذا تحقق، يمكن أن يفتح ممراً برياً نحو المتوسط وأوروبا. لكن السكك لا تعوض ناقلات النفط والغاز بالسرعة أو الكلفة نفسها، كما أن نجاحها يتطلب استقراراً سياسياً واتفاقات جمركية وأمنية في دول شهدت نزاعات طويلة.

من زاوية استراتيجية، لا يعني بناء البدائل أن هرمز يفقد أهميته. كلما زادت البدائل تراجع العائد الذي تحصل عليه أي جهة من تعطيل المضيق، لكن السعة والتكلفة ستبقيانه المسار الأكثر كفاءة لجزء كبير من التجارة. الهدف الواقعي هو توزيع المخاطر ومنع الإغلاق الجزئي من شل الاقتصاد، لا استبدال الممر كلياً.

توجد كذلك مخاطر بيئية واجتماعية. الأنابيب والموانئ الجديدة تحتاج إلى أراض ومياه وطاقة ومناطق صناعية، وقد تنقل الضغط من الخليج إلى البحر الأحمر وسواحل أخرى. لذلك يجب تقييم المشروعات على أساس الأمن الاقتصادي والاستدامة معاً، لا تحت عنوان الطوارئ وحده، وإلا تتحول معالجة اختناق واحد إلى خلق اختناقات وتكاليف جديدة.

الخلاصة أن حرب إيران أعادت تعريف البنية التحتية في الخليج بوصفها أداة أمن قومي. الميناء والخط الحديدي والأنبوب لم تعد مشاريع تنمية منفصلة، بل طبقات من شبكة صمود إقليمية. نجاحها سيقاس بقدرتها على زيادة السعة الفعلية وخفض كلفة التأمين واستمرار التجارة أثناء الأزمات، لا بعدد الإعلانات أو حجم الإنفاق وحده.

تنويه تحريري: هذه المادة ليست نقلاً حرفياً. أعيدت صياغتها وتوسيع سياقها في سابا الإخبارية اعتماداً على الوقائع والمحاور المنشورة في رويترز باسم فيديريكو ماكيوني وسارة الصافي وسيدهارت إس بتاريخ 28 أغسطس 2026.

تابع القراءة

التقريران التاليان

رويترزالعقوبات تنتقل إلى المجتمع: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني تحمل حرب الاستنزاف الأميركية؟قراءة التقرير ←إسرائيل هيوممن يجهز شرارة الضفة؟ تحليل إسرائيلي يتهم الحكومة بصناعة المواجهة التي تحذر منهاقراءة التقرير ←
العودة إلى فهرس التقارير ←الصفحة الرئيسية