تقرير تحليلي كامل · سابا الإخبارية
انتقاد يهودي من الداخل: كيف يحول خطاب بن غفير التطرف إلى سياسة دولة؟
قراءة في مقال رأي بريطاني يهودي يطالب بإدانة علنية لوزير الأمن القومي الإسرائيلي، ويربط خطاب القتل وعقوبة الإعدام الانتقائية بتآكل المساواة وبالمخاطر القانونية والأخلاقية على إسرائيل.
.jpg?width=1600)
يكتسب مقال فيفيان وينمان في صحيفة جويش نيوز البريطانية أهميته من موقعه لا من حدة لغته فقط. فالكاتب يخاطب مجتمعاً يهودياً بريطانياً من داخل مؤسساته، ويقول إن الاكتفاء بالاعتراض الخاص على إيتمار بن غفير لم يعد كافياً. المطلوب، في رأيه، إدانة عامة لوزير يملك سلطة مباشرة على الأمن داخل إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة.
ينطلق المقال من تصريحات نسبت إلى بن غفير دعا فيها إلى قتل عشرات الأشخاص في غزة كل ليلة حتى عندما لا يشكلون تهديداً فورياً، وإلى حديثه الذي ينزع عن بعض سكان غزة صفة الإنسانية. لا يعرض وينمان هذه الكلمات باعتبارها زلة لفظية، بل باعتبارها دليلاً على أن الدعوة إلى القوة غير المقيدة أصبحت جزءاً من خطاب مسؤول قادر على التأثير في الشرطة والسجون وسياسة الحكومة.
الحجة الأولى أخلاقية: عندما ينفي مسؤول أمني إنسانية جماعة كاملة أو يفتح الباب لقتل من لا يمثلون تهديداً، فإنه يهدم الحد الأدنى الذي يميز إنفاذ القانون عن الانتقام. وخطورة الخطاب لا تقاس فقط بما ينفذ فوراً، بل بما يسمح به داخل المؤسسات من توسيع دائرة الأشخاص الذين يمكن استهدافهم بلا محاسبة.
الحجة الثانية قانونية وسياسية. تواجه إسرائيل اتهامات دولية خطيرة بشأن سلوكها في غزة، ويقوم جزء أساسي من دفاعها على نفي وجود نية لتدمير السكان. يرى وينمان أن تصريحات وزير في الحكومة تقوض هذا الدفاع، لأنها تقدم للمحاكم والباحثين والجمهور مادة صريحة عند تقييم النية والسياسة العامة.
يتوقف المقال عند مشروع عقوبة الإعدام الذي يدعمه بن غفير، منتقداً تطبيقه الانتقائي على فلسطينيين دون يهود يرتكبون جرائم قاتلة. هنا تنتقل المسألة من التشدد الجنائي إلى مبدأ المساواة أمام القانون. إذا تغيرت العقوبة بحسب هوية الجاني، يصبح القانون أداة تمييز قومي لا قاعدة عامة للعدالة.
يزداد البعد الرمزي خطورة مع مقترحات إنشاء أماكن تتيح للجمهور مشاهدة الإعدام. فالمشهد يحول العقوبة من إجراء قضائي يفترض أن يخضع لضمانات صارمة إلى عرض سياسي وجماهيري. وبذلك تستخدم الدولة الموت لترسيخ هوية جماعية تقوم على الإذلال والفرجة، لا على حماية المجتمع ومنع الجريمة.
لا يدافع المقال عن إسرائيل عبر إنكار المشكلة، بل عبر التحذير من أن الصمت الداخلي يفاقمها. فعدم صدور إدانة واضحة من الحكومة أو من قيادات مجتمعية يمنح بن غفير مساحة لعرض مواقفه كأنها جزء طبيعي من النقاش. ومع تكرارها، تنتقل اللغة المتطرفة من هامش السياسة إلى معيار يضغط على بقية الوزراء والمؤسسات.
تظهر هنا قيمة النقد القادم من داخل فضاء يهودي داعم لوجود إسرائيل. فهو يفكك الادعاء بأن كل إدانة لبن غفير تعبير عن عداء خارجي، ويضع المسألة في إطار المسؤولية الدينية والأخلاقية والسياسية. وينمان يرى أن الجمع بين التدين المعلن والدعوة إلى الإيذاء لا يخفف المسؤولية، بل يجعل التناقض أشد.
سياسياً، يستفيد بن غفير من تحويل كل انتقاد دولي إلى صراع هوية، ثم يقدم نفسه حامياً للإسرائيليين في مواجهة عالم معادٍ. الرد الأكثر فاعلية على هذه الاستراتيجية لا يكون فقط بالعقوبات الخارجية، بل بكسر احتكاره للهوية والأمن داخل المجتمع الإسرائيلي واليهودي، وإظهار أن رفض العنصرية لا يعني التخلي عن حماية المدنيين.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تبقى هذه المناقشة داخل حدود الخطاب. وزارة الأمن القومي تؤثر في الشرطة والسجون وتسليح المدنيين والتعامل مع الاحتجاجات والمستوطنين. لذلك تتحول الأفكار إلى قواعد وأولويات ومناخ يسمح بمزيد من العنف، حتى إذا لم تتحول كل عبارة إلى أمر مكتوب.
الخلاصة أن المقال يسجل اتساع مساحة النقد داخل بيئات كانت تتردد في مواجهة اليمين الإسرائيلي علناً. لكنه يطرح أيضاً اختباراً: هل يتحول الاعتراض الأخلاقي إلى ضغط سياسي ومؤسسي، أم يبقى صوتاً معزولاً بعد أن أصبحت سياسات بن غفير جزءاً من بنية الحكم؟ قيمة هذا النقد ستقاس بقدرته على حماية المساواة والحياة، لا بحدة عباراته وحدها.