SABA NEWS · قراءة كاملة
المناورة السياسية في انتخابات السويد.. كيف تستثمرها الجالية العربية وتحولها الى قوة حقيقية على الأرض؟
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية السويدية في 13 سبتمبر 2026، تتزايد النقاشات بين الناطقين بالعربية حول أهمية المشاركة السياسية وكيفية توظيف أصواتهم لتحقيق مكاسب حقيقية. لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه: هل الاكتفاء بالتصويت كافٍ؟ أم أن الجالية العربية بحاجة إلى فهم أعمق للمناورة السياسية كأداة فاعلة لترجمة قوتها الانتخابية إلى سياسات تلبي احتياجاتها؟
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية السويدية في 13 سبتمبر 2026، تتزايد النقاشات بين الناطقين بالعربية حول أهمية المشاركة السياسية وكيفية توظيف أصواتهم لتحقيق مكاسب حقيقية. لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه: هل الاكتفاء بالتصويت كافٍ؟ أم أن الجالية العربية بحاجة إلى فهم أعمق للمناورة السياسية كأداة فاعلة لترجمة قوتها الانتخابية إلى سياسات تلبي احتياجاتها؟
ما هي المناورة السياسية في السياق السويدي؟
المناورة السياسية ليست مكيدة أو خداعًا، بل هي فن إدارة المصالح والمواقف في اللحظات الحاسمة. في السويد، يتقن السياسيون هذا الفن بإتقان. فكما أوضح محللون سياسيون، فإن الخلافات العلنية بين الأحزاب، خاصة مع اقتراب الانتخابات، غالبًا ما تكون مناورات تهدف إلى تمييز كل حزب عن الآخر وجذب أنصار جدد، دون أن تعني بالضرورة انهيار التحالفات القائمة. فما يبدو صراعًا حادًا قد يكون في جوهره رسالة مزدوجة: واحدة للنخبة وأخرى للشارع.
هذا الفهم يمنح الناخب العربي قدرة على قراءة المشهد السياسي بعمق، وعدم الانخداع بالوعود البراقة أو التصعيد الإعلامي المؤقت.
الدروس المستفادة من التجارب السابقة.
شهدت انتخابات 2022 ظهور حزب "نيانس" (Nyans) الذي استهدف بشكل أساسي المسلمين والمهاجرين، محققًا نسبًا تجاوزت 10% في بعض دوائر مدينه يوتوبوري. لكن التجربة تركت مرارة لدى الكثيرين، إذ يعتبر البعض اليوم أن التصويت لأحزاب جديدة لم يحقق التغيير المطلوب. وهذا درس مهم: المناورة الناجحة لا تعني التجربة العشوائية، بل القراءة المدروسة لخريطة القوى.
في المقابل، استطاع حزب ديمقراطيي السويد (SD)، رغم جذوره المناهضة للهجرة، فرض أجندته على الحكومة دون أن يكون مشاركًا فيها رسميًا. هذه مناورة سياسية بامتياز—استخدام موقع الضغط والتأثير من خارج الائتلاف الحاكم لتحقيق الأهداف.
كيف تستفيد الجالية العربية من المناورة السياسية؟
أولاً: توحيد المطالب وتحويلها إلى ورقة مساومة.
قضايا الجالية العربية ليست غامضة. استطلاعات الرأي تشير إلى أن الناطقين بالعربية يضعون الهجرة والاندماج والاقتصاد والرعاية الصحية ومكافحة التمييز على رأس أولوياتهم. لكن التحدي ليس في تحديد المطالب، بل في تقديمها كـ"كتلة تصويتية" منظمة.
المناورة الذكية تقتضي ألا توزع الجالية أصواتها بشكل عشوائي على كل الأحزاب، بل أن تركز قوتها في دوائر محددة وفي أحزاب يمكنها تحقيق تنازلات حقيقية. فإذا أدركت الأحزاب أن هناك كتلة ناخبة عربية متماسكة يمكنها قلب موازين الانتخابات في دوائر حساسة، فإنها ستتنافس على كسب ودها، وليس مجرد استغلال أصواتها.
ثانياً: استثمار الفجوات بين الأحزاب السياسية.
السياسة السويدية اليوم تعرف انقسامًا واضحًا بين الكتل اليسارية واليمينية. لكن داخل كل كتلة هناك تباينات. الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي اعتاد اعتبار أصوات المهاجرين مضمونة، بدأ يتبنى سياسات أكثر تشددًا في ملفات الهجرة استجابة لتحولات المزاج السياسي. وهنا تكمن فرصة المناورة بدلاً من الولاء الأعمى، يمكن للجالية العربية أن تلوح باحتمال تحول أصواتها نحو الأحزاب الأخرى، مما يضغط على الحزب لتعديل مواقفه.
ثالثاً: المشاركة في صناعة القرار من الداخل.
المناورة لا تقتصر على التصويت. الانخراط في العمل الحزبي، والترشح للمجالس المحلية والبرلمان، وبناء شبكات ضغط داخل الأحزاب والتي تعد من أدوات المناورة أكثر فعالية من الصوت الانتخابي وحده. التجارب تظهر أن التمثيل المباشر يمنح الجالية صوتًا في اللحظات التي تُصنع فيها القرارات، وليس فقط في صناديق الاقتراع.
رابعاً: توظيف الإعلام ورواية القصة.
في عصر تهيمن فيه السرديات على المشهد السياسي، يمكن للجالية العربية أن تروي قصتها بأسلوبها بدلاً من أن يتم تصويرها كـعبئ على المجتمع ، يمكنها أن تُبرز مساهماتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المجتمع السويدي. هذا ليس ترفًا إعلاميًا، بل مناورة في ساحة الأفكار، والعمل على اعادة تشكيل الخطاب العام وتُجبر السياسيين على مخاطبة الناخب العربي بلغة الندية لا الشفقة.
مخاطر يجب تجنبها كسويديين من اصول مهاجرة:
· التشرذم: توزيع الأصوات على أحزاب متعددة يضعف التأثير. · الانخداع بالوعود الرنانة: المناورة الناجحة تعتمد على تتبع السجل السياسي، لا الخطابات الانتخابية. · العزوف عن المشاركة: الامتناع عن التصويت ليس مناورة، بل تنازل عن القوة.
خلاصة
الجاليات العربية في السويد ليسو ضيوف بل جزء أصيل من نسيج المجتمع السويدي. قوتهم الحقيقية لا تكمن في عددهم فقط، بل في قدرتهم على قراءة المشهد السياسي بذكاء، واستخدام أدوات المناورة السياسية بوعي في الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الجاليات العربية والدولة السويدية—علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على الحساسيات والعواطف.
المناورة السياسية فن، والجالية العربية مدعوة اليوم لأن تكون قوة حقيقية في هذا المجال. فالصوت لا يُمنح كهدية بل يُستثمر كقوة.. بقلم الباحث السياسي: أحمد القاش.